في دراسة جديدة، حدد باحثون من جامعة ييل آليةً غير متوقعة تتحدى افتراضاً طالما ساد الاعتقاد بصحته حول الدوائر العصبية المسؤولة عن الشعور بالجوع في الدماغ.
على مدى عقود، لم تحقق أدوية السمنة سوى انخفاض طفيف في الوزن. لكن في السنوات الأخيرة، أحدث عقار "أوزمبيك" (Ozempic) والعلاجات المماثلة التي تستهدف مستقبلات GLP-1 تحولاً جذرياً في هذا المجال، إذ أتاحت تحقيق فقدان مستدام للوزن بنسبة تتراوح بين 10% و15% أو أكثر. ورغم هذا النجاح، لم يتمكن العلماء بعد من فهم الآلية الدقيقة التي تعمل بها هذه الأدوية داخل الدماغ بشكل كامل.
وفي دراسة جديدة، كشف باحثون من جامعة ييل عن آلية عمل غير متوقعة تتحدى افتراضاً كان سائداً لفترة طويلة حول الدوائر العصبية المسؤولة عن الشعور بالجوع في الدماغ؛ وهو الافتراض القائل بأن العصبونات التي تنتج "الببتيد المرتبط ببروتين أغوتي" (AgRP) -والمعروفة بأنها المحرك الأساسي للشعور بالجوع- تعمل حصراً على مقاومة فقدان الوزن. غير أن الدراسة الجديدة تظهر أن علاجات GLP-1، مثل "أوزمبيك"، تقوم بدلاً من ذلك بتوظيف هذه العصبونات للمساعدة في الحفاظ على فقدان الدهون.
قال ماتيوس دافيلا، وهو باحث في مرحلة الدكتوراه في علم الأعصاب يعمل في مختبر تاماس هورفاث بقسم الطب المقارن في كلية الطب بجامعة ييل (YSM) والمؤلف الرئيسي للدراسة: "يُغيّر هذا الأمر تماماً نظرتنا إلى الآلية التي تعمل بها هذه الأدوية، ويقدم رؤى جديدة حول الجوانب البيولوجية الكامنة وراء تأثيراتها طويلة الأمد، مما يفتح آفاقاً لتطوير أدوية أكثر فعالية".
نُشرت الدراسة في دورية "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" (PNAS).
أصبح "سيماغلوتيد" (Semaglutide) -المادة الفعالة في أدوية فئة GLP-1 مثل "أوزمبيك" (Ozempic)- واحداً من أكثر الأدوية فعالية على الإطلاق في علاج السمنة. ومع ذلك، لا نزال لا نفهم تماماً سبب هذه الفعالية العالية؛ فالأجيال السابقة من أدوية إنقاص الوزن كانت تكبح الشهية بفعالية تضاهي تقريباً فعالية "سيماغلوتيد"، لكن أياً منها لم يحقق القدر نفسه من فقدان الوزن المستدام.
بالنسبة لباحثي جامعة ييل، أشار هذا الأمر إلى أن "سيماغلوتيد" يؤدي وظيفة تتجاوز مجرد كبح الشهية. وقبل إجراء دراستهم، كان الرأي السائد يشير إلى أن أدوية GLP-1 تعزز فقدان الوزن عن طريق تقليل نشاط الخلايا العصبية المحفزة للشعور بالجوع. ورغم أن هذه الفرضية نوقشت على نطاق واسع، إلا أن دور خلايا "AgRP" العصبية في عملية فقدان الوزن أثناء العلاج طويل الأمد بأدوية GLP-1 لم يخضع لاختبار مباشر داخل أجسام الكائنات الحية (in vivo).
وفي هذه الدراسة الجديدة، سعى الباحثون إلى الكشف عن تلك الآلية البيولوجية غير المكتشفة؛ إذ أملوا -من خلال فهم كيفية تكيف الدماغ مع العلاج- في تحديد أهداف علاجية جديدة قد تقود في النهاية إلى تطوير أدوية أكثر فعالية لعلاج السمنة. ولتحقيق ذلك، جمع الباحثون بين عدة مناهج متكاملة باستخدام نماذج الفئران، حيث راقبوا وزن الجسم، ومعدل تناول الطعام، والتمثيل الغذائي، واستهلاك الطاقة أثناء فترة العلاج بـ "سيماغلوتيد". كما استخدموا تقنيات جينية أتاحت لهم إزالة أو تعطيل خلايا "AgRP" العصبية المسؤولة عن الجوع بشكل انتقائي، مما مكنهم من تحديد ما إذا كانت هذه الخلايا ضرورية لتحقيق تأثيرات الدواء.
عند إجراء تجارب على فئران عُدلت جينياً لتفتقر إلى عصبونات AgRP، لاحظ الباحثون أن أدوية GLP-1 لم تعد قادرة على الحفاظ على فقدان الوزن. وأظهرت تجارب إضافية -استخدمت فيها تقنيات المجهر الإلكتروني والبيولوجيا الجزيئية والفيزيولوجيا الكهربائية- أن عقار "سيماغلوتيد" (semaglutide) كان يعمل على تنشيط عصبونات AgRP هذه بدلاً من تثبيطها.
يشير الباحثون إلى أن هذه النتائج توحي بأن الدماغ يتكيف مع العجز في السعرات الحرارية الناجم عن العلاج بـ GLP-1 من خلال زيادة نشاط عصبونات AgRP المسؤولة عن الشعور بالجوع، والتي تتولى أيضاً تنسيق عملية فقدان الدهون. ويكشف هذا الأمر عن جانب من التعقيد لم يكن معروفاً من قبل فيما يتعلق بآلية عمل علاجات GLP-1.
ونظراً لأن الدراسة أُجريت على الفئران، فإن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل إمكانية تطبيق هذه النتائج على البشر؛ ومع ذلك، فإن فهم الآلية الدقيقة لعمل هذه الأدوية داخل الدماغ يُعد خطوة مهمة نحو تطوير علاجات مستقبلية للسمنة.
وقال دافيلا (d’Ávila): "من خلال تحديد آلية عصبية -لم تكن معروفة سابقاً- تساهم في الحفاظ على فقدان الوزن، يقدم عملنا رؤى بيولوجية جديدة قد تساعد الباحثين في نهاية المطاف على تصميم علاجات أكثر فعالية أو ذات آثار جانبية أقل".