تحالفات سعودية ترسم موازين القوة والردع

اتخذ الحضور السعودي الخارجي في عام 2026 شكلا أكثر تعددا في أدواته ومساراته، فلم يعد التحرك في محيط الأمن الإقليمي قائما على تحالف واحد أو شراكة واحدة، بل على شبكة متوازية من الأطر الدفاعية والأمنية والسياسية والإستراتيجية. من اتفاق الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان الذي وقع في مكة المكرمة، إلى مبادرة التحالف البحري لحماية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وصولا إلى الشراكات الإستراتيجية مع القوى الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا، تبدو السياسة السعودية في عامها الوطني السادس والتسعين أكثر اعتمادا على تنويع الشركاء وتعدد مسارات التعاون. وتكشف هذه التحركات عن مقاربة تجمع بين بناء الردع وحماية المصالح الحيوية وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية، في وقت تشهد فيه المنطقة تغيرات أمنية وجيوسياسية متسارعة.تحالف مكةشكل اتفاق الدفاع المشترك الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان إحدى أبرز التحولات في شبكة العلاقات الأمنية للمملكة. وقع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف الاتفاقية في السابع من أغسطس 2026 في قصر الصفا بمكة المكرمة، ونصت على أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يعامل كهجوم عليها جميعا، في صيغة وصفها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنها أقرب ما تكون إلى المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو. وفي نهاية أغسطس عقدت اللجنة السياسية والإستراتيجية والدفاعية اجتماعها الأول في إسطنبول، واتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة دائمة للتحالف مقرها السعودية، يقودها في مرحلتها الأولى أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات، بما يعكس اتجاها نحو إضفاء طابع مؤسسي على التعاون.وتكتسب الصيغة أهمية إضافية من اختلاف القدرات والمواقع الإستراتيجية للدول الثلاث، فالسعودية تمثل مركز الثقل الخليجي والعربي في الاتفاق، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية وعسكرية واسعة، وتمثل باكستان قوة عسكرية كبيرة في جنوب آسيا. ولا يعني ذلك بالضرورة قيام قوة عسكرية موحدة أو قيادة عمليات مشتركة دائمة، إذ لا تزال آليات تفعيل الاتفاق وتفاصيل الالتزامات العملية قيد التطور، وهو ما يجعل التحالف في مرحلته الحالية إطارا دفاعيا وسياسيا جديدا أكثر من كونه بنية عسكرية مكتملة، مع حديث متكرر عن احتمال توسعه لاحقا بانضمام دول أخرى من المنطقة، وسط تقارير عن محاولات تركية سابقة لضم مصر إلى صيغة دفاعية مشابهة.الأمن البحريوفي المجال البحري اتجهت السعودية إلى بناء إطار متعدد الدول لحماية الملاحة الدولية وممرات الطاقة والتجارة في البحر الأحمر وخليج عدن، بعد تصاعد المخاطر على السفن التجارية وطرق الإمداد، وفي ظل الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر لحركة التجارة والطاقة خصوصا مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز خلال العام. وفي الثلاثين من يوليو 2026 طرحت الرياض في اجتماع شارك فيه ممثلو ثلاث وأربعين دولة إلى جانب مندوبية الاتحاد الأوروبي مبادرة إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، أعلنت أربع عشرة دولة تأييدها له في البداية، بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي، قبل أن يتوسع الدعم إلى أكثر من أربعين دولة. وفي السادس من أغسطس عينت السعودية اللواء البحري الركن عبدالله بن سالم الشهري قائدا للتحالف مع نائب باكستاني له، ليتولى الإشراف على التخطيط والتنسيق مع التحالفات البحرية الأخرى العاملة في المنطقة، وصولا إلى اجتماع التخطيط الرابع الذي استضافته الرياض في الثامن عشر من سبتمبر بمشاركة إحدى وأربعين دولة.ويختلف هذا المسار عن تحالف مكة في طبيعته ووظيفته، فالأول دفاعي قائم على مبدأ الحماية المتبادلة بين ثلاث دول، بينما يركز الثاني على أمن الممرات البحرية الدولية دون أن يستهدف دولة أو تحالفا بعينه. ومع ذلك يتقاطعان في هدف أوسع يتمثل في تعزيز قدرة الدول المعنية على التعامل الجماعي مع مخاطر تتجاوز حدود الدولة الواحدة، خصوصا أن أمن البحر الأحمر يرتبط مباشرة بأمن التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.شراكة سعودية باكستانيةتأتي باكستان في أكثر من دائرة من دوائر الشراكة السعودية خلال 2026، فهي شريك دفاعي مباشر في تحالف مكة، وعضو مؤيد للتحالف البحري، إلى جانب علاقة ثنائية تاريخية تمتد قرابة ثمانية عقود من الأخوة والتضامن الإسلامي. وقد تأسس هذا العمق في السابع عشر من سبتمبر 2025، حين وقع ولي العهد ورئيس الوزراء الباكستاني في الرياض اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك التي نصت على أن أي عدوان خارجي على أحد البلدين يعد عدوانا عليهما معا، بعد أيام قليلة من غارة إسرائيلية استهدفت قيادة حماس في الدوحة. ووصف وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان هذا التفاهم بأن الرياض وإسلام أباد صف واحد في مواجهة المعتدي دائما وأبدا.وقد برزت أهمية هذه الشراكة خلال التطورات الأمنية الأخيرة مع تأكيد إسلام أباد التزامها باتفاق الدفاع، بالتوازي مع تحركها الدبلوماسي لاحتواء التصعيد الإقليمي، وهو ما يكشف أن العلاقة السعودية الباكستانية لم تعد محصورة في التعاون الدفاعي وإنما أصبحت جزءا من شبكة أوسع تجمع الأمن والدبلوماسية والمصالح الإستراتيجية، وتمنح الرياض امتدادا نحو جنوب آسيا فيما تمنح إسلام أباد علاقة أكثر مؤسسية مع واحدة من أهم القوى في الخليج.شراكات أوروبيةولا تكتمل صورة الشراكات السعودية في 2026 من دون الدائرة الأوروبية، التي تقوم على الشراكة الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية والدفاعية وليس على تحالف دفاعي مشترك. وتبرز فرنسا في مقدمة هذه الدائرة، حيث عقد ولي العهد والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرابع والعشرين من أغسطس 2026 في قصر الإليزيه بباريس الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي الفرنسي، الذي أطلق بموجبه القائدان مبادرات جديدة لتوثيق التعاون بين البلدين، وشهدت الزيارة توقيع إحدى وعشرين اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والذكاء الاصطناعي والثقافة والصحة والسياحة. وتناول الاجتماع أيضا ملفات الشأن الإقليمي وأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، إلى جانب مذكرة لاستكشاف تطوير وجهة سياحية عالمية جديدة في فرنسا. وتتسع الدائرة الأوروبية إلى بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، بما يعكس أن الرياض لا تتعامل مع أوروبا ككتلة سياسية واحدة، بل تبني علاقات متعددة المستويات تخدم مصالحها في الدفاع والطاقة والاستثمار.تعدد المساراتتكشف هذه الشبكة عن تحول في مفهوم الشراكة السعودية، فالمملكة لا تعتمد على صيغة واحدة في بناء علاقاتها بل توزع احتياجاتها الإستراتيجية على أطر مختلفة، تحالف مكة يعالج الدفاع المشترك، والتحالف البحري يركز على حماية الممرات الدولية، وشراكة باكستان تمتد من الدفاع إلى السياسة، فيما توفر العلاقات الأوروبية قنوات إضافية في الأمن والاقتصاد والتقنية. وبذلك يدخل اليوم الوطني السعودي السادس والتسعون والمملكة أمام شبكة علاقات تتجاوز مفهوم التحالف التقليدي إلى منظومة أكثر اتساعا، تعكس تنوع أدوات سياستها وتعدد ساحات حضورها في عالم سريع التحول.