تجربة مصر في بناء برنامجها الصاروخي الخاص

ماذا يحدث عندما تحاول دولة نامية تحدي احتكار التكنولوجيا المتقدمة عالميًا؟ عاد هذا السؤال ليحتل الصدارة في السياسة العالمية، فيما يتعلق بتقنيات من الذكاء الاصطناعي إلى التكنولوجيا النووية والأسلحة المتطورة. مع ذلك، فإن الصراع حول من يمتلك المعرفة المتقدمة، ومن يُسمح له بتطويرها، ومن يدّعي حق حجبها عن الآخرين، له تاريخ أطول بكثير. في 23 يوليو 1962، وبعد مرور عشر سنوات بالضبط على ثورة يوليو، قدّم الرئيس جمال عبد الناصر إجابته الخاصة عن هذا السؤال، عندما انطلقت الصواريخ فوق الصحراء المصرية احتفالًا بذكرى ثورة 1952. أعلن ناصر يومها أن البلاد دخلت عصر الصواريخ. عكس هذا المشهد طموحات تجاوزت الصواريخ المنطلقة نفسها. فبعد استقلالها من الاستعمار وهزائمها العسكرية التالية، سعت مصر إلى إثبات قدرتها على اكتساب وإنتاج تقنيات متقدمة كان العالم الصناعي قد احتكرها لفترة طويلة. بالنسبة لعبد الناصر، لم يكن برنامج الصواريخ مجرد وسيلة للقوة العسكرية، بل كان جزءًا من مشروع أوسع للسيادة التكنولوجية، إيمانًا منه بأن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا بالقدرة على إتقان العلوم والصناعة الحديثة. سرعان ما اتخذ رد الفعل طابعًا دوليًا، إذ شنّت المخابرات الإسرائيلية حملة سرية ضد العلماء الألمان الذين ساهموا في بناء البرنامج، استخدمت فيها الترهيب والاختطاف والرسائل المُفخخة ومحاولات الاغتيال. كما سعت ألمانيا الغربية إلى تحقيق التوازن بين علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية المتنامية مع العالم العربي والضغوط الإسرائيلية المتزايدة والإرث الأخلاقي والسياسي للحرب العالمية الثانية. وأصبحت واشنطن تنظر إلى طموحات مصر من منظور الاستقرار الإقليمي ومنع انتشار الأسلحة النووية وشراكتها الأمنية المتطورة مع إسرائيل. حتى الاتحاد السوفيتي، الداعم العسكري الرئيسي للقاهرة، ظل مترددًا في السماح لمصر باكتساب قدرات تتجاوز سيطرة موسكو. في قلب هذه المصالح المتضاربة، برزت مجموعة من العلماء والمهندسين الألمان الذين حوّلت خبرتهم مشروعًا تنمويًا وطنيًا إلى أزمة سياسية دولية. بعد مرور أكثر من 60 عامًا، لا تزال التساؤلات التي أثارها برنامج مصر الصاروخي مألوفة بشكل لافت. من يحق له السيطرة على تقنيات المستقبل؟ ومن يملك سلطة اتخاذ القرار؟ الحقبة ما بعد الاستعمارية والسعي نحو السيادة التكنولوجية نشأت طموحات مصر الصاروخية من رحم هزيمتها العسكرية، فقد كشفت نكبة 1948 عن ضعف الجيوش العربية، بينما عززت أزمة السويس في 1956 من رغبة مصر في الاعتماد على قوة عسكرية متفوقة تكنولوجيًا. ورغم أن عبد الناصر خرج من السويس أقوى سياسيًا، فإن الصراع أكّد له أن الاستقلال العسكري لا يزال مُقيدًا بالتبعية التكنولوجية. لذا، تجاوزت طموحاته مجرد الحصول على أسلحة أفضل. ففي الحقبة ما بعد الاستعمارية، استثمرت الدول المستقلة حديثًا في السدود والمصانع والجامعات والمختبرات والصناعة، ليس فقط لتسريع وتيرة التنمية، بل أيضًا لتقليل الاعتماد على القوى الاستعمارية السابقة. كان برنامج الصواريخ المصري جزءًا من هذه الرؤية الأوسع. تطوير القدرة الصاروخية محليًا يمنح مصر مزايا عسكرية، كما يُجسّد الاعتقاد بأن المعرفة العلمية المتقدمة لا يجب أن تبقى حكرًا على الدول الصناعية المتقدمة. إلا أن الطموح وحده لم يكن كافيًا للتغلب على القيود الهيكلية، فقد افتقرت مصر إلى القاعدة الصناعية والبنية التحتية العلمية والكوادر المتخصصة اللازمة لبناء أنظمة صواريخ متطورة. وكان شراء الأسلحة من الخارج أحد الحلول، لكن الاعتماد على الموردين الأجانب يحد بالتأكيد من استقلالية مصر. حتى الاتحاد السوفيتي، رغم شراكته الوثيقة مع القاهرة، ظل غير راغب في نقل كل التقنيات التي سعت مصر للحصول عليها، فقد كانت القوى العظمى، بغض النظر عن أيديولوجيتها، مترددة في التخلي عن السيطرة على المعرفة التي تدعم التفوق الاستراتيجي. لذا، انتهج صانعو السياسات المصريون استراتيجية مختلفة، فبدلًا من استيراد الأسلحة فقط، سعوا إلى استيراد الخبرات من خلال استقطاب علماء ومهندسين أجانب قادرين على إنشاء صناعة صواريخ محلية. وأصبحت ألمانيا الغربية مصدرًا جذابًا لهذه الخبرات، فقد وجد العلماء والمهندسون ذوو الخبرة في مجال الصواريخ والفضاء خلال الحرب وما بعدها فرصًا محدودة لتنفيذ مشروعات طموح في بلادهم، في حين قدمت لهم مصر شيئًا بات نادرًا في أوروبا ما بعد الحرب: فرصة البناء. لذا، وافق العشرات منهم على عقود مرتبطة بمشروعات الطيران والصواريخ المصرية، وهو ما حوّل مشروعًا تنمويًا وطنيًا طموحًا إلى أزمة جيوسياسية دولية. العلماء الألمان الذين أصبحوا أزمة بالنسبة لإسرائيل، كان لوجود العلماء الألمان في مصر دلالة تاريخية واستراتيجية لا يمكن تجاهلها، فقد خشي قادة إسرائيل من مساعدة الخبراء الألمان لدولة عربية في تطوير صواريخ، واعتبروا الأمر تهديدًا لهم. وبغض النظر عن القيود التقنية التي واجهها البرنامج المصري في أوائل الستينيات، فقد كانت دلالته السياسية والنفسية عميقة. إلا أن الخلاف لم يقتصر يومًا على الصواريخ فحسب، بل كان يدور حول من يُسمح له باكتساب قدرات تكنولوجية متقدمة، فقد رأت مصر في الخبرة الأجنبية ضرورةً لتقليل اعتمادها التكنولوجي على الغير، وتعزيز سيادتها. في المقابل، اعتبرت إسرائيل صناعة الصواريخ المصرية المحلية تحديًا استراتيجيًا غير مقبول، لذلك، لم يقتصر الصراع على مواجهة تهديد عسكري مباشر، بل كان أيضًا صراعًا للحفاظ على تفوق تكنولوجي إقليمي. راقبت المخابرات الإسرائيلية عن كثب العلماء الألمان وشبكة الشركات «الواجهة» والموردين والوسطاء الأوروبيين الذين كانوا يشترون المعدات والمواد لبرنامج الصواريخ المصري، قبل شن حملة سرية لتعطيله. وفي إطار عملية ديموقليس الإسرائيلية، تسببت رسائل مفخخة في إصابة موظفين في مكاتب مشتريات برنامج الصواريخ المصري في أوروبا. وبالمثل، اختفى خبير الصواريخ هاينز كروج في ميونيخ عام 1962، ويُعتقد أنه اختُطف وقُتل على يد الموساد. وبدلًا من استهداف الصواريخ وحدها، استهدفت العمليات الإسرائيلية الأشخاص الذين يمتلكون الخبرة التي سعت مصر إلى الحصول عليها. وقد أظهرت هذه الحملة حقيقة أوسع لا تزال تُؤثر في السياسة الدولية: أن تقييد حركة المعرفة قد يكون ذا أهمية استراتيجية تُضاهي تقييد حركة الأسلحة. كما أن هذه الأحداث تجلّت في سياق تاريخي أوسع للعلاقات العربية الألمانية، غالبًا ما يُغفل عند اختزالها إلى مجرد فصل آخر من فصول الصراع العربي الإسرائيلي، فبالنسبة للعديد من الحكومات العربية في ذلك الحين، أصبحت ألمانيا الغربية شريكًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا جذابًا بشكل متزايد، فقد امتلكت خبرة صناعية متقدمة، وعلى عكس بريطانيا وفرنسا، لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بالحكم الاستعماري السابق للمنطقة. وبالنسبة للحكومة الألمانية، مثّل العالم العربي أسواقًا متنامية وساحة أخرى في تنافسها خلال الحرب الباردة مع ألمانيا الشرقية. انبثق استقدام مصر للعلماء الألمان من هذه العلاقات السياسية والاقتصادية والعلمية الأوسع. ومع ذلك، تحوّل برنامج الصواريخ إلى أزمة دبلوماسية. سعت ألمانيا الغربية إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية المتنامية مع الحكومات العربية، في الوقت الذي استجابت فيه للضغوط الإسرائيلية المتزايدة، والنابعة من التزام ألمانيا الغربية بعد الحرب بالمصالحة مع إسرائيل وتعويضها عن المحرقة. لكن سلطة الحكومة الألمانية القانونية كانت محدودة في منع المواطنين من قبول وظائف في الخارج. من جهتها، نظرت واشنطن إلى طموحات مصر من منظور الاستقرار الإقليمي، ومنع الانتشار النووي، وإدارة التحالفات، وهو ما يعكس مخاوف أمنية حقيقية، فضلًا عن رغبة في الحفاظ على توازن عسكري إقليمي يصب في مصلحة إسرائيل. كشفت هذه الأحداث عن مُعضلة لا تزال حاضرة بقوة في عصرنا. تستطيع الدول تقييد بيع المعدات، وفرض ضوابط على الصادرات، وتعطيل شبكات التوريد، لكن السيطرة على الخبرات أصعب بكثير. فالعلماء يعبرون الحدود، والمعرفة تنتشر، ولا يمكن حظر الخبرة التقنية بسهولة كما هو الحال مع المعدات. قبل وقت طويل من تنافس الحكومات على الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة الكمومية، كانت تتنافس بالفعل على الأشخاص القادرين على إنتاج التقنيات، باعتبارهم العنصر الأكثر أهمية. لماذا تُعدّ الصواريخ أقل أهمية مما نعتقد؟ لم يُحقق برنامج الصواريخ المصري المحلي طموحات جمال عبد الناصر، فقد استمرت العقبات التقنية، لا سيما في أنظمة التوجيه والتحكم. وتطلّب البرنامج موارد مالية وصناعية وبشرية عانت مصر في توفيرها. كما ساهمت العمليات السرية الإسرائيلية، إلى جانب الضغوط الألمانية الغربية التي شجّعت العلماء على العودة إلى بلادهم، في إضعاف المشروع. وأدت هزيمة مصر في 1967 إلى إنهاء البرنامج تمامًا. قد يميل البعض إلى الحكم على المشروع بناءً على الصواريخ التي لم يُنتجها فحسب، لكن هذا يُغفل أهميته الأوسع، فقد كان رد الفعل الدولي مهتمًا بما قد تحققه مصر في المستقبل أكثر من اهتمامه بما حققته بالفعل، وتمحور الجدل حول الإمكانيات التكنولوجية المستقبلية أكثر من الواقع العسكري القائم. كان بإمكان المهندس عبور الحدود دون أن يحمل أي مكون من مكونات إنتاج الصواريخ، لكنه كان ينقل عقودًا من الخبرة المتراكمة في الديناميكا الهوائية، وأنظمة التوجيه، والتصنيع، وإدارة البرامج. لقد أصبحت الخبرة بحد ذاتها موردًا استراتيجيًا، لذلك، امتد الصراع ليشمل العلماء والمُختبرات وتداول المعرفة عبر الحدود، متجاوزًا الصواريخ ومرافق الإنتاج، وأصبح التحكم في الخبرة وسيلة أخرى لتحديد الدول التي يمكنها أن تطمح واقعيًا إلى الاستقلال التكنولوجي، وتلك التي ستبقى معتمدة على موردين خارجيين. من هذا المنظور، كانت مصر تسعى إلى ما نسميه اليوم بالسيادة التكنولوجية: القدرة على تطوير وإتقان التقنيات الحيوية دون الاعتماد بشكل دائم على دول أقوى، لكن برنامج الصواريخ فشل في تحقيق هذا الهدف في نهاية المطاف، ومع ذلك، كشف الجهد الدولي الاستثنائي المبذول لتقويضه عن شيء أكبر من مجرد مصير برنامج لتطوير الصواريخ، فلم يكن القلق يقتصر على الصواريخ التي قد تصنعها مصر فحسب، بل على إمكانية امتلاك دولة نامية قدرات علمية وصناعية تقلل من اعتمادها طويل الأمد على القوى الخارجية. هذه القدرات لن تصنع قوة عسكرية فحسب، بل يمكن أن تؤدي إلى استقلال سياسي واستراتيجي أكبر، على نحو يتحدى النظام الدولي الذي ظلت فيه المعرفة التكنولوجية المتقدمة مركزة في أيدي عدد قليل من الدول. حروب التكنولوجيا ليست بالأمر الجديد لقد شهدت التقنيات التي تُمثّل محور التنافس الجيوسياسي تغيرات جذرية منذ ظهور صواريخ عبد الناصر فوق الصحراء المصرية، أما السياسات المحيطة بها فهي مألوفة إلى حد كبير. في الوقت الراهن، تتنافس الحكومات على الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا النووية، والأسلحة المتطورة، وتفرض قيودًا على الصادرات، وتُقيّد نقل التكنولوجيا، وتُدقق في التعاون العلمي، وتُعاقب الشركات، وتتنافس على استقطاب أو حرمان العلماء والمهندسين ذوي الكفاءات العالية. ويتمحور الصراع بشكل متزايد حول ما إذا كان الوصول إلى الخبرات في الوقت الراهن، سيُمكّن المنافس من تطوير قدراته مُستقبلًا أم لا. يضع تاريخ برنامج الصواريخ المصري هذه السياقات المعاصرة ضمن مسار أطول بكثير من المنافسة التكنولوجية العالمية، كما أنه يفضح التسلسلات الهرمية غير المتكافئة التي لا تزال تُشكّل النظام الدولي. نادرًا ما يتم الحكم على الطموحات التكنولوجية وفقًا للقدرة التقنية وحدها. ويتم فحصها وغربلتها من خلال العلاقات السياسية والتسلسلات الهرمية الدولية، إذ غالبًا ما تُحدِد هوية الدولة التي تسعى إلى امتلاك التكنولوجيا، إذا كان سيتم الاحتفاء بالتطور التكنولوجي باعتباره ابتكارًا، أو قبوله باعتباره تحديثًا، أو إدانته باعتباره انتهاكًا. ولا يعني هذا قبول كل الطموحات التكنولوجية للدول بنفس القدر، ولا أن المخاوف الأمنية مجرد خطابة بلاغية. نادرًا ما يتم تقييم المساعي التكنولوجية المماثلة وفقًا لمعايير ثابتة. لقد تمتعت الدول المتوافقة، بشكل وثيق، مع النظام الدولي السائد في كثير من الأحيان بقدر أكبر من الحرية في تطوير التقنيات العسكرية المتقدمة مقارنة بالدول التي تحررت من الاستعمار، وتسعى إلى تقليل اعتمادها التكنولوجي على الغير. في كثير من الأحيان، لم يقتصر المنظور الأمني على معالجة التهديدات الحقيقية فحسب، بل سعى أيضًا لاختيار من يحق له اكتساب القدرات التي تمنحه عناصر القوة في حقبة زمنية معينة. لم تنجح صواريخ عبد الناصر في تحويل مصر إلى القوة التكنولوجية التي كان يطمح إليها، ومع ذلك كشفت الأزمة التي أحاطت بالعلماء الألمان عن أمر أعمق من مجرد مصير برنامج صاروخي واحد، فقد بيّنت كيف أصبحت الخبرة نفسها هدفًا للتنافس الجيوسياسي، وكيف سعت الدول القوية إلى تنظيم حركة الأسلحة والمعرفة على حدٍ سواء. وبعد مرور أكثر من 60 عامًا، لا يزال السؤال الذي واجه القاهرة، وبون، وتل أبيب، وواشنطن، وموسكو دون إجابة: من سيُسيطر على تقنيات المستقبل؟ والأهم من ذلك، من يملك الحق في اتخاذ القرار؟ شكر وتقدير: هذا المقال جزء من مشروع بحثي أوسع نطاقًا حول عصر الصواريخ وانتشارها في العالم العربي خلال الحرب الباردة، مع التركيز بشكل خاص على مصر والعلاقات الألمانية العربية. يتقدم المؤلف بالشكر الجزيل للأكاديمية العربية الألمانية للعلوم والعلوم الإنسانية (AGYA) على دعمها من خلال «برنامج التبادل البحثي»، الذي ساهم في دعم البحث وكتابة هذا المقال.The post تجربة مصر في بناء برنامجها الصاروخي الخاص first appeared on Mada Masr.