تبوك والاحتفال الثقافي

لم يكن احتفال تبوك الأخير لاستقبال سيدي صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز احتفالاً عادياً، بل لوحة توقدت بالمشاعر والسعادة والفرح والسرور، بعد أن فاضت من جموع الناس بقلب الإنسان الواحد بالمسرح الكبير بمركز الأمير سلطان الحضاري بتبوك، وسط حضور جماهيري غفير، وحين تبادل الجميع تلك المشاعر، يأخذنا المشهد لأفق تلقي مختلف يصعب التعبير عنه، وينتابنا حالة من الغبطة، فتنتشي معها النفس ويغمرها صادق الفرح، وفيضان من السرور، وقد تجاوزت مراسيم الاحتفال النمط المعتاد، إلى جانب ثقافي إبداعي من خلال فعاليات الاحتفال التي عدت بشكل يليق بهذا المقدم الميمون، وقبل ذلك تجلى لنا جانب قيمي إنساني فاض به محيا سموه الكريم بوجه مشرق يتهلل فرحاً حين احتضن بقلبه الكبير أهالي تبوك، وبان عليه حب الإنسان والمكان، حين قال في كلمة مقتضبة وقصيرة جداً، لكنها عبرت عن إيقاع داخلي اختلط به ركام من مشاعر الإنسان النبيل، وفاضت كطوفان البحر المتلاطم اختصرت الرحلة الطويلة التي بدأت من فجر يوم بعيد، أي مشاعر تدفقت من رجل شعر بعوالم من الغربة في فترة قصيرة لم تطل كثيراً، وبرهنها بشعُوره الصادق بطول غياب عن المجتمع التبوكي، وحَسَّ بحالة غربة في رحلته العلاجية التي حفت بصبر جميل حين فارق أهله وبيته الكبير «منطقة تبوك»، إنها أنساق انتظمت من روح طاهرة ونفس زكية تحمل في طياتها أرقى معاني وقيم الإنسان والجمال، كل ذلك يعكس معدن نبل الإنسان وصادق الوفاء وحسن المعشر، الذي ارتبط بالوجدان الإنساني النبيل وبنبض متدفق ومنتظم لا يتوقف، إنها العشرة التي لا تهون حين تخطت لأكثر من ثلاثة عقود، شهدت فيها نمو الإنسان وازدهار المكان، أشرف عن قربٍ مُباشر على تلك المراحل الزمنية المتعاقبة، خَلّدَ فيها معاني الحب ورموز من العشق لتكون تبوك وإنسانها زاخرة بالتنمية وبالخير والبركة والمحبة والسلام، مارسَ فيها سموه عطاء الإنسان كمستخلف في الأرض، ونحن كمجتمع وفيّ يتجلي لنا دور القيادة العليا -وفقها الله- وحضور ولي الأمر المتمثل في دور مولاي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، ويبرز لنا صوت السماء مدوياً في الأسماع «خير من استأجرت القوي الأمين»، إننا أمام إبحار في شخصية تفردت عن غيرها، لا سيما حين قدحت فيه شرارة عفوية المحبة وسمو الإنسانية «أنا ما أحبكم، أنا أعشقكم عشق»، إنه صادق الصوت ودفق الشعور الموغل في تربة المشاعر والمنغرس في روح الإنسان والمتجذّر في أعماق المكان، واستتباعاً لذلك كان الجانب الثقافي المتمثل في احتفال أوبريت غنائي كبير، وقد كان إبداعاً مستقلاً بذاته يعكس مدى شكل العلاقة مع الإنسان والتاريخ والجغرافيا، انتظمت في قصيدة لفرحة الوطن جادت بها قريحة الشادي وصدح بها الفن السعودي صوتاً ولحناً، وفي هذا الاتجاه، فإن الجانب الثقافي يعكس بالضرورة وجه الوطن المشرق في جوانبه المختلفة، بعد أن ولد ذلك الأوبريت كما يولد الفجر من عتمة الليل، وترعرع في مسرح غنائي كبير عكس مدى اللحمة، وشكل الهوية ليتجدد معه معاني الوفاء لوجهٍ اعتادته الروح واستبشرت به القلوب، ليكون الأوبريت كياناً حياً تفتقت منه فيض المشاعر للشاعر الكبير صالح الشادي وعذوبة اللحن للملحن المتألق سهم، وجميل الصوت للفنانين خالد الفارس وعايض، بعد أن أشرف عليه فنان العرب الفنان الكبير محمد عبده، وهذا الإحياء لم يكن خبط عشواء ولا بمحض الصدفة، بل ثمرت موهبة شاعر، ومعرفةٌ للحن، وصوت للفن، الأمر الذي سيترك ذكرى خالدة لهذا الجزء الغالي من الوطن، وأخيراً حين كان ذلك وهج ثقافتنا التي استمدت عناصرها من الوجدان وروح الإنسان لتنثر فوح شذاها الفواح ليمتزج مع ثراء الأرض بنقاء الإنسان وجميل سجاياه، ويبلغ حد الذروة بحالة احتفالية يشهدها العالم، وفي مشهد يشكل ملامح وثقافة الإنسان السعودي.