تأثير التغطية الإعلامية نفسيًا في حرب اليمن – د. يحيى جابر

في الحرب اليمنية، حين تعرض قناة «العربية» أو «الحدث» وغيرهما من القنوات بما فيها القنوات اليمنية الرسمية، مشاهد لعملية عسكرية، أو تقدِّم تقريرًا عن قدرات الاستطلاع والطائرات المسيَّرة، أو تنقل بيانًا عسكريًا مصوراً بدقة عن استهداف مواقع ومقاتلين تابعين لمليشيا الحوثي، فإن الرسالة ستكون مؤثِّرة من الناحية النفسية للمقاتل الموجود في الجبهة بطريقة أو أخرى، وفي القيادات التي تدير العمليات، وإلى العناصر الموجودة في مواقع أخرى والحاضنة لهم، وهنا يتحول الإعلام من ناقل للحدث إلى عنصر مؤثِّر في إدراك الخصم لموازين القوة، لأن المقاتل لا يتعامل مع الخطر الذي يراه أمامه فقط، وإنما مع الخطر الذي يعتقد أن خصمه قادر على الوصول إليه من خلال الرصد والاستطلاع والمعلومات الدقيقة، كما يرفع معنويات مقاتل الجيش اليمني الشرعي، ليؤمن بقدراته وتفوقه، وتزداد أهمية هذه الوظيفة النفسية عندما تتكرر التغطية العسكرية بصورة منظمة، وتنقلها وسائل الإعلام باحترافية، فالمشهد الذي يظهر قدرة على اكتشاف موقع عسكري، ثم خبر عن عملية أخرى، ثم تقرير عن تحرك عسكري، ثم صور لنتائج عملية جديدة بدقة عالية يظهر فيه دقة الاستهداف ومنظر هروب مقاتلي المليشيا وانكسارهم، يمكن أن يصنع لدى الطرف الآخر «المليشيا»، تصورًا متراكمًا بأن خصمه يمتلك قدرة واسعة على الرصد والوصول إليه، وهذه النقطة بالذات هي جوهر التأثير النفسي، فالإعلام لا يحتاج إلى القول للمقاتل الحوثي إنه مراقب، بل يكفي أن يقدم له سلسلة من الوقائع الموثقة تجعله يصل إلى هذه النتيجة بنفسه، وفي تقديري أن هذه الرسالة أكثر تأثيرًا من الخطاب الدعائي المباشر، لأن الإنسان عندما يستنتج الخطر بنفسه يكون أكثر تأثرًا به ويبدأ وعيه بالخطر القادم، وتؤكد الدراسات التي تناولت التغطية الإعلامية للحرب اليمنية أن القنوات لم تقدم الحرب بالطريقة نفسها، فقد أظهرت دراسة أكاديمية تناولت تغطية الحرب في الفترة من 26 مارس 2015 إلى 13 مايو 2015، وشملت تحليل 396 خبرًا منشورًا عبر مواقع قنوات عربية مختلفة، أن «العربية» كانت من بين القنوات الرئيسية في حجم التغطية، وأن الأطر الإعلامية المستخدمة شملت الصراع والمسؤولية والاهتمامات الإنسانية، «المصدر- خالد بن إبراهيم الرويتع، مجلة الدراسات الدولية، المملكة العربية السعودية، دراسة أطر معالجة الحرب اليمنية في القنوات الفضائية العربية، 2025». ويتضمن ذلك أن القناة لا تنقل الحدث بمعزل عن سياقه، وإنما تختار زاوية تقديمه، وهذه الزاوية يمكن أن تؤثِّر في الطريقة التي يفهم بها الجمهور الحرب، وتبرز قناة «العربية» باعتبارها إحدى القنوات التي خصصت مساحة واسعة لتطورات اليمن، خصوصًا العمليات العسكرية والصراع بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، كما أن «الحدث» أصبحت تقدم تغطية متخصصة للأحداث اليمنية عبر الأخبار والتقارير والمقابلات، وتصف القناة نفسها تغطيتها بأنها متابعة مباشرة للأحداث وتطوراتها، وهو ما يجعلها حاضرة بصورة مستمرة في بناء الصورة الإعلامية للحرب، وأرى أن الاستمرارية هنا مهمة جدًا مع تطويرها، لأن التأثير النفسي لا ينتج غالبًا عن خبر واحد، وإنما عن تراكم الرسائل الإعلامية، فعندما يشاهد المقاتل الحوثي تقريرًا عسكريًا يتحدث عن قدرات الرصد والاستطلاع والطائرات المسيرة، ثم يشاهد صورًا موثقة لعملية عسكرية، فإنه لا يفكر فقط في خسارة الموقع الذي تعرض للهجوم، بل قد يبدأ في التفكير في أمن الموقع الذي يوجد فيه هو، وإذا تكرر الأمر، فقد يصبح السؤال حاضرًا بصورة مستمرة، هل الموقع الذي أتحرك فيه معروف؟ هل هناك وسائل استطلاع تتابعني؟ هل تستطيع القوات المقابلة الوصول إلى معلومات عن تحركاتي؟ وهل البيانات التي تصلني عن قدرات الخصم دقيقة؟ وهنا ينتقل الإعلام من مرحلة نقل الخسارة إلى مرحلة صناعة القلق، والقلق في بيئة الحرب ليس مجرد شعور عابر، بل يمكن أن يؤثر في اتخاذ القرار، فالمقاتل القلق يصبح أكثر حذرًا، وقد يغير طريقة تحركه، وقد يتجنب التجمعات، وقد يقلِّل من استخدام الاتصالات، وقد يعيد تقييم المواقع التي يشعر بأنها آمنة، وقد تتغير لديه درجة الثقة في المعلومات التي تصله، وهذه النتائج لا يمكن نسبتها تلقائيًا إلى الإعلام وحده، لكنها تصبح ممكنة عندما تتزامن الرسائل الإعلامية مع نتائج ميدانية حقيقية، ولذلك فإن الإعلام في هذه الحالة يعمل بوصفه مضاعفًا للأثر النفسي للعملية العسكرية، وليس بديلًا عنها، وتزداد قوة الصورة عندما تعرض العملية العسكرية في تسلسل واضح، رصد، تحديد، استهداف، ثم نتيجة، لأن هذا التسلسل يقدم للمشاهد تصورًا عن وجود منظومة متكاملة خلف العملية، لكن هنا يجب الالتزام بالدقة، فلا يجوز للإعلام أن يؤكد أن طائرة مسيرة هي التي حددت هدفًا معينًا أو أن عملية محددة تمت بطريقة ما، إلا إذا كان ذلك مثبتًا من مصدر عسكري أو رسمي مووق، كما يجب ألا تكشف التغطية تفاصيل تشغيلية يمكن أن تساعد الخصم على معرفة طرق الرصد أو مصادر المعلومات أو أساليب الاستهداف، وأعتقد أن الإعلام العسكري الذكي هو الذي يظهر القوة دون أن يكشف أسرار القوة. إن الرسالة الأقوى ليست «نستطيع الوصول إليكم»، وإنما أن يرى المقاتل نتائج موثقة تجعله يدرك أن الوصول ممكن، والفرق بين العبارتين كبير، لأن الأولى مجرد ادعاء، بينما الثانية تعتمد على الصورة والوثيقة والنتيجة، ولذلك فإن نشر لقطات العمليات العسكرية بعد التحقق منها يمكن أن يؤدي وظيفة ردعية، لأنه يجعل المقاتل يعيد حساباته، لا بسبب الكلمات، وإنما بسبب الواقع الذي يشاهده، وتأتي الخسائر البشرية في صفوف مليشيا الحوثي باعتبارها عنصرًا آخر في التأثير النفسي، لكن التعامل معها يحتاج إلى قدر كبير من الدقة، فلا ينبغي للإعلام أن يكرر أرقامًا غير مؤكدة، ولا أن يقدم كل إعلان عسكري باعتباره حقيقة نهائية دون نسبته إلى مصدره، لأن المبالغة قد تحقق تأثيرًا لحظيًا لكنها تضر بالمصداقية لاحقًا، والمتلقي حريص على المصداقية وأي خطأ قد يدخل المنصة أو القناة في أزمة ثقة، لذلك القنوات الرسمية دوماً هي الأكثر مصداقية، وفي تقديري أن الإعلام الذي يريد التأثير في معنويات الخصم لسنوات طويلة يجب أن يرفض المبالغة، فالمصداقية نفسها سلاح نفسي هام ومؤثر جداً، وكلما زادت ثقة الجمهور بالمؤسسة الإعلامية، أصبح ما تقوله أكثر تأثيرًا، كما أن الحديث عن هروب المقاتلين الحوثيين أو انهيار معنوياتهم يحتاج إلى التوثيق، فلا يمكن أن نقول إن كل تراجع أو انسحاب سببه الخوف من الإعلام، فقد يكون سببه تغيرًا عسكريًا أو نقصًا في الإمداد أو خسائر ميدانية أو قرارًا من القيادة، لكن عندما تتراكم هذه العوامل مع تغطية إعلامية مستمرة محترفة، تظهر قدرة الخصم على الرصد والاستهداف، يمكن أن يزداد الضغط النفسي على المقاتلين، وهذا هو التحليل الأكثر دقة علميًا، وتتضح قوة الإعلام أكثر عندما يترافق مع التقدم التقني في العمليات العسكرية، فالطائرات المسيرة ووسائل الاستطلاع والمراقبة أصبحت جزءًا من الحروب الحديثة، وعندما تعرض وسائل الإعلام نتائج استخدامها، فإنها لا تنقل خبرًا عسكريًا فقط، بل تقدم صورة عن مستوى التطور التقني والتنظيمي، وهذا قد يؤثر في تقديرات الخصم، لأن المقاتل الذي يعتقد أن خصمه لا يستطيع رؤيته قد يتحرك بثقة أكبر، أو ينصب كمائن، أما إا