بين مارادونا وميسي… الدهاء عبقرية

في زوايا الأحياء المنسية، حيث الملاعب ليست سوى قطع أراضٍ طينية مليئة بالحجارة، لم تولد كرة القدم كرياضة للياقة البدنية أو الخطط الصارمة، بل كآلية للبقاء لقد جاءت اللعبة تاريخياً مع المهاجرين البريطانيين بنظامها الصارم، وقوتها البدنية، وخطوطها المستقيمة، لكن الشارع كان له رأي آخر.. إذ اختطف أبناء الأحياء الفقيرة هذه اللعبة، وأخذوها إلى أزقتهم الضيقة ليعيدوا صياغتها وفق شروطهم الخاصة، وفي تلك المساحات المعقدة، كان على الفتى الصغير أن يواجه عمالقة يكبرونه حجماً وقوة، ولم يكن أمامه من خيار سوى أن يكون أسرع وأمكر، ليتحول إلى ذلك الفتى الشقي الذي يعتمد على الحيلة والمراوغة كسلاح وحيد لمقارعة الكبار من رحم هذا التحدي ولد مفهوم الخداع البصري التمويه بالكتف، ونقل ثقل الجسد، وإيهام الخصم بالتحرك يميناً ثم الانطلاق يساراً في لمح البصر. أصبح الابتكار اللحظي والارتجال العفوي السلاح الأول للاعب، وغدا الانتصار عبر المكر والذكاء أكثر لذة من الفوز بالقوة العضلية المجرّدة وتجسدت هذه الهوية في صورة طفل ذي وجه متسخ، وشعر أشعث، وعينين تلمعان بالذكاء، يرتدي قميصاً ممزقاً، ويراوغ الجميع بكرة مصنوعة من الجوارب وهو الرمز الثقافي الذي رفض أن يكبر وظل حياً في وجدان اللعب كانت هذه الفلسفة فكرة مجردة، فقد تحولت يوماً إلى لحم ودم في جسد فتى نبت من أفقر العشوائيات دييغو أرماندو مارادونا. أثبت دييغو موقعه التاريخي أمام إنجلترا عام 1986، بعد أن تلخصت عبقرية الشارع في مشهدين خالدين الأول كان هدف الحيلة الأسمى بتلك اليد التي سكنت الشباك لتسخر من عمالقة الدفاع، والثاني كان هدف القرن عندما رقص الفتى بجسده الضئيل متجاوزاً خطوط الخصم واحداً تلو الآخر، كأنه ما زال يركض في زقاق طفولته الضيقة مرت السنوات، وغادر فتى آخر بلاده في سن مبكرة نحو الأكاديميات الأوروبية الصارمة، وخشي الكثيرون حينها أن تمحو الأنظمة الخططية الجافة جينات الشارع العفوية فيه، لكن «ليونيل ميسي حمل الشارع معه في حقيبته ظهرت تلك العبقرية في قدرته الفائقة على إسقاط المدافعين بمجرد تغيير اتجاه العين، والاحتفاظ بالكرة ملتصقة بقدمه وسط حصار المنافسين، وصولاً إلى ذلك المكر القيادي والروح الشرسة التي تحدى بها العالم بأكمله ليعيد الكأس الغالية إلى دياره واليوم، ورغم تغير التكتيكات وتحول كرة القدم إلى صناعة رقمية جافة، تظل تلك البلاد مصنعاً لا ينضب للمواهب الفريدة لأنها لا تورّث خططاً مكتوبة، بل تورّث روحاً حرة وطالما أن هناك طفلاً يركض بكرة قدم في زقاق ضيق، ويبحث عن حيلة مبتكرة لهزيمة من هو أكبر منه، فإن جينات العبقرية ستظل حية في عروق الشارع، وستستمر في إنتاج أساطير يبهرون العالم. سامر الشاماني