تصر إيران على إبقاء المنطقة في حالة المراوحة بين اللاسلم واللاحرب في رهان منها على أن الوقت يعمل لصالحها، وإمعاناً في جلب المزيد من الأذى للمنطقة والعالم، على الرغم من أنها من أكبر المتضررين من بقاء هذه الحالة، دون أي اكتراث لمصالحها ومصالح الآخرين.هذه العبثية هي التي تدفع إيران، حتى الآن، إلى المناورة في المساحة الفاصلة بين الدبلوماسية والحرب، واللجوء لمواجهة الضغوط الاقتصادية بالتصعيد، استناداً إلى ورقة مضيق هرمز، وهي الورقة الوحيدة التي تملكها، اعتقاداً منها أن إلحاق الضرر بدول المنطقة والاقتصاد العالمي يتيح لها فرض معادلة جديدة، أو التوصل إلى تسوية لصالحها بمعزل عن مصالح شعوب المنطقة والمجتمع الدولي. لكن استمرار اللعب في المنطقة الرمادية لن يبقى متاحاً لها إلى ما لا نهاية، فالخيار العسكري لا يزال على الطاولة، والحصار يشتد، والعقوبات تتسع، والضغوط الاقتصادية تزداد وتترك آثارها المدمرة على جبهتها الداخلية واقتصادها المتهالك وبنيتها التحتية، وأيضاً على إعادة بناء قدراتها العسكرية التي تضررت جراء أشهر الحرب الطويلة. وبالتالي فإن التمترس خلف مواقف الغطرسة والعناد، والتناقضات الناجمة عن الانقسامات الداخلية، تجعلها كمن يطلق النار على قدميه، ذلك أنه إذا كان لفائض القوة حدود، فإن ما تعتقد إيران أنه «صمود» له أيضاً حدود، وقد يدفع بمقدرات الشعب الإيراني إلى الهاوية. وفي النهاية، لا مفر أمام القيادة الإيرانية من مواجهة خيارين: إما العودة إلى الحرب، وهنا قد تسقط الكثير من المقولات الرائجة عن نقص الذخائر الأمريكية والخلافات الداخلية وما شابه، وإما الذهاب إلى تسوية سياسية تحفظ مصالح شعوب المنطقة والعالم بما في ذلك المصالح الإيرانية نفسها. وربما يكون هناك خيار ثالث قد يكون هو الأخطر، يتمثل بالعودة إلى الحرب على نحو غير مسبوق، لكنه يظل مؤجلاً إلى ما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، إذا لم تنجح الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق حتى ذلك الحين. لكن في كل الأحوال، ليست الحرب مجرد لعبة شطرنج على رقعة منطقة تتشابك فيها المصالح العالمية حول ممر يمثل شريان الحياة لإمدادات النفط والغاز وسلاسل الغذاء العالمي، كما يعتقد اللاعبون الإيرانيون الذين يعتبرون أنفسهم «محترفين» في هذه اللعبة من دون أن يعرفوا النهاية التي غالباً ما تكون بقتل الملك. وفي هذه الحال يصبح الأمر نوعاً من المقامرة بمصائر الشعوب في عصر الصواريخ والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو بالتأكيد ما لا تحتاج إليه المنطقة والعالم.ما تحتاج إليه المنطقة والعالم هو العودة إلى خيار الدبلوماسية و«مذكرة التفاهم» والمفاوضات الجادة لإنضاج تسوية سياسية تنهي الحرب وتحقق المصالح المشتركة للجميع وفق قواعد القانون الدولي. وما تحتاج إليه المنطقة أيضاً هو إعادة الأمن والاستقرار لها لضمان مستقبلها ومستقبل شعوبها وفق رؤية ثابتة وواضحة، وترتيبات تقوم على القواعد القانونية للشرعية الدولية بما يؤسس لمرحلة جديدة تحترم أسس التعايش السلمي وسيادة الدول ومبادئ حسن الجوار وتحقيق السلام الدائم، حتى تتمكن شعوب المنطقة من مواصلة التنمية والتقدم والازدهار.