تقف محافظة بيشة اليوم بين مشروعين وطنيين عملاقين، يفصل بينهما المكان والزمن، لكنهما يلتقيان في دلالة واحدة: أن هذه المحافظة تمتلك موقعًا وموارد ومقومات تجعلها جديرة بنظرة تنموية أوسع من حدود احتياجاتها اليومية.
ففي جنوب بيشة يقف سد الملك فهد بوادي بيشة، بسعة تخزينية تقارب 325 مليون متر مكعب وارتفاع يبلغ نحو 103 أمتار، شاهدًا على واحد من أضخم المشروعات المائية في المملكة. وفي شمال المحافظة يتشكل اليوم مشروع بيشة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 3000 ميجاواط، ليضيف إلى المكان قيمة إستراتيجية جديدة ترتبط بالطاقة المتجددة ومستقبل الاقتصاد الوطني.
وبين الماء في الجنوب والشمس في الشمال تقع مدينة بيشة، وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ينبغي أن تبقى المدينة مجرد موقع جغرافي يحتضن هذه المشروعات العملاقة، أم تتحول هي الأخرى إلى مدينة تنموية نموذجية تستفيد من قيمتها الإستراتيجية وتواكب حجم ما يقام حولها من مشاريع حيوية.
لقد أدى سد الملك فهد منذ إنشائه دورًا مهمًا في منظومة المياه، وأسهم في حماية المنطقة من أخطار السيول، والاستفادة من مياهها، ودعم المخزون الجوفي والأنشطة الزراعية. إلا أن القيمة التنموية لهذا المشروع الكبير يمكن أن تتضاعف من خلال تعظيم الاستفادة من مياهه ووصولها إلى نطاق أوسع من مزارع المحافظة، خصوصًا في وسط بيشة وشمالها.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة إنشاء قناة مائية ممتدة من السد جنوب المحافظة، مرورًا بالمزارع الواقعة على ضفاف وادي بيشة، وصولًا إلى شمالها، وفق دراسة هندسية متكاملة تضمن الاستخدام الأمثل للمياه، وتحد من الفاقد أثناء التصريف، وتدعم تغذية الآبار والمزارع على امتداد الوادي.
فإذا كان سد الملك فهد يمثل ثروة مائية وطنية ضخمة، فإن تعظيم أثره الحقيقي يكون حين تمتد فائدته على طول وادي بيشة، من جنوب المحافظة إلى وسطها وشمالها، فتستفيد منه المزارع، ويتعزز المخزون الجوفي، ويستعيد القطاع الزراعي جزءًا أكبر من قدرته على النمو والاستدامة. وحينها يصبح السد ليس مجرد منشأة لحجز المياه والحماية من السيول، بل محورًا تنمويًا يمتد أثره إلى الإنسان والأرض والاقتصاد المحلي.
وبعد نحو ثلاثة عقود من إنشاء هذا العملاق المائي، يأتي اليوم في شمال بيشة عملاق آخر بلغة اقتصادية وتقنية مختلفة؛ هو مشروع بيشة للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 3000 ميجاواط، ليؤكد أن المحافظة تقف بالفعل بين مشروعين إستراتيجيين كبيرين، وأن ما بينهما يجب أن يكون هو الآخر مساحة للتنمية والتخطيط والاستثمار.
وعندما تحتضن محافظة واحدة، منشآت بهذا الحجم، فإن التخطيط لمستقبلها ينبغي أن ينطلق من قراءة بعيدة المدى.
بيشة بحاجة إلى بنية تحتية تسبق التوسع المتوقع ولا تلحق به بعد وقوعه، بدءًا من تطوير شبكات الطرق والمحاور الرئيسة والمداخل، مرورًا بشبكات المياه والصرف وتصريف السيول والكهرباء والاتصالات، ووصولًا إلى إنشاء مخططات سكنية جديدة مكتملة الخدمات تستوعب النمو السكاني والاستثماري خلال العقود القادمة.
فالمشروعات الكبرى تجذب معها الشركات والمقاولين والكوادر الفنية والهندسية والخدمات المساندة، ثم تتولد حولها فرص جديدة في التوظيف والاستثمار والإسكان والتجارة والنقل والضيافة والصيانة والخدمات اللوجستية. وإذا أُحسن استثمار هذه الحركة منذ بدايتها، فقد تتحول إلى محافظة ذات قيمة اقتصادية جاذبة ومستدامة للوطن والمواطن، بدل أن تكون آثارها محدودة بفترة الإنشاء والتشغيل.
ومن هنا فإن التخطيط العمراني لبيشة يجب أن ينظر إلى المدينة بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، لا إلى احتياجاتها الحالية فقط. أين ستكون مناطق التوسع، وأين المخططات السكنية الجديدة، وما المحاور التي تحتاج إلى توسعة، وما هي احتياجات مطارها الذي يخدم كثير من المحافظات المجاورة لها. وكيف يمكن تطوير المناطق الصناعية واللوجستية ومضاعفاتها، وما الفرص التي يمكن أن تنشأ لخدمة مشروعات الطاقة والزراعة والتعدين والنقل؟
كما أن وجود منشآت وطنية إستراتيجية في نطاق جغرافي واحد يفتح مجالًا لدراسة متطلبات الحماية والأمن والاستجابة للطوارئ على المدى البعيد. ومن هذا المنطلق يمكن أن تكون دراسة إنشاء منشأة أو قاعدة عسكرية بشكل واسع في بيشة أحد الأفكار المطروحة للجهات المختصة، إذا أثبتت الدراسات العسكرية والإستراتيجية الحاجة إليها.
وتبرز أهمية موقع بيشة وما تحتضنه من منشآت ومشروعات إستراتيجية بوصفها عناصر داعمة للتنمية المستقبلية، لما يمكن أن تسهم به في تطوير الطرق والإسكان والخدمات، وتنشيط الحركة الاقتصادية، وتعزيز استقرار السكان، واستحداث مزيد من فرص العمل.
كما أن موقع بيشة نفسه يمنحها بعدًا إضافيًا، فهي تقع في نطاق جغرافي مهم بين وسط المملكة وجنوبها وجنوبها الغربي، وترتبط بطرق تؤدي إلى عسير والباحة ومكة المكرمة والمناطق الوسطى. ومن هنا فإن تطويرها لتكون مركزًا للنقل والخدمات اللوجستية، ودراسة ربطها مستقبلًا بشبكة السكك الحديدية، من الملفات التي تستحق أن تكون ضمن الدراسات الإستراتيجية بعيدة المدى.
ولا تكتمل هذه الرؤية دون تطوير مطار بيشة، وتعزيز المدينة الصناعية، وإنشاء مستودعات ومراكز للتوزيع والإمداد، وتفعيل دور الغرفة التجارية، واستقطاب الفنادق والعلامات التجارية والخدمات الصحية والتعليمية والترفيهية، بما يجعل المدينة جاذبة للسكان والاستثمار في الوقت نفسه.
لقد أثبتت التجارب أن المشروع الإستراتيجي لا ينبغي أن يبقى جزيرة منفصلة عن محيطه، بل إن أعظم عائد تنموي يتحقق عندما تنشأ حوله منظومة متكاملة من الخدمات والاستثمارات والفرص.
وكما كان سد الملك فهد رسالة مبكرة عن أهمية بيشة وما تختزنه من موارد وإمكانات، يأتي مشروع الطاقة الشمسية اليوم ليؤكد من جديد أن هذه المحافظة تقف على أرض مهيأة لصناعة مستقبل اقتصادي مختلف. وبين المشروعين تلوح فرصة تاريخية لإعادة رسم موقع بيشة على خارطة التنمية، ليس بوصفها مدينة تحتضن المشروعات الكبرى فحسب، بل مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا وتنمويًا واعدًا، قادرًا على تحويل ما تمتلكه من موقع وموارد ومشروعات نوعية إلى قوة دفع للاستثمار والنمو وصناعة الفرص.
إن بيشة التي تحتضن جنوبًا أحد أكبر المشروعات المائية في المملكة، وتشهد شمالًا إنشاء مشروع للطاقة الشمسية الأكبر على مستوى منطقة الشرق الأوسط، تستحق تخطيطًا بحجم هذه الأصول الوطنية.
فالهدف ليس أن نقول إن بيشة تقع بين مشروعين عملاقين فحسب، بل أن يأتي يوم نقول فيه إن وجود هذين المشروعين كان بداية مرحلة جديدة صنعت حولهما مدينة نموذجية ببنية تحتية متقدمة، ومخططات حديثة، واقتصاد متنوع، وخدمات تليق بموقعها وقيمتها الوطنية.
بين السد والشمس، تتشكل اليوم فرصة جديدة، والمهم أن يتحول حجم المشروعات التي تحتضنها بيشة إلى تنمية يلمسها الإنسان ويقرأ أثرها في المكان.
تقف محافظة بيشة اليوم بين مشروعين وطنيين عملاقين، يفصل بينهما المكان والزمن، لكنهما يلتقيان في دلالة واحدة: أن هذه المحافظة تمتلك موقعًا وموارد ومقومات تجعلها جديرة بنظرة تنموية أوسع من حدود احتياجاتها اليومية.