تكشف المواجهة المتصاعدة في بولندا بين الرئيس كارول نافروتسكي وحكومة دونالد توسك عن أزمة تتجاوز الخلاف القانوني والمؤسسي المباشر. فالتصعيد الذي شهدته المحكمة الدستورية في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2026، مع إعلان تعليق مهام رئيس المحكمة بوغدان شفيتشكوفسكي ونائبه بارتلوميي سوشانسكي، وما رافقه من تدخل الشرطة واحتجاجات أمام مقر المحكمة وعودة الرئيس من زيارته إلى السنغال، يمثل حلقة جديدة في صراع سياسي ممتد حول طبيعة الدولة وحدود السلطات واتجاه السياسات البولندية.
تقدم الحكومة إجراءاتها باعتبارها جزءاً من مسعى لاستعادة استقلال القضاء وتصحيح ما تعتبره اختلالات أحدثتها إصلاحات حزب القانون والعدالة خلال سنوات حكمه بين 2015 و2023. في المقابل، يرى الرئيس ومعسكر حزب القانون والعدالة أن الحكومة تتجاوز الأطر الدستورية وتحاول فرض سيطرتها على المؤسسة القضائية. وقد وصف رئيس المحكمة تعليق مهامه بأنه إجراء غير قانوني، فيما دافع توسك عن تحرك حكومته باعتباره ضرورياً لاستعادة سيادة القانون.
إن اختزال هذا المشهد في صراع بين رئيس قومي محافظ ورئيس حكومة ليبرالي مؤيد لأوروبا لا يفسر سوى سطح الأزمة. فالسؤال الأهم هو: ما الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي جعلت هذا الانقسام بهذه الحدة؟ ولماذا تتكرر، بصيغ مختلفة، أزمات مشابهة في عدد من بلدان المراكز الرأسمالية؟
إن فهم الحالة البولندية يقتضي وضعها في سياق أوسع، تتداخل فيه تناقضات الرأسمالية العالمية مع التحولات في بنية الدولة والمجتمع، ومع تصاعد التنافس الجيوسياسي والعسكري، وعودة القضايا القومية والتاريخية إلى واجهة الصراع السياسي.
أولاً: المعسكران السياسيان ومصالحهما الاجتماعية
لا يمكن فهم الانقسام البولندي باعتباره مواجهة بين كتلتين اجتماعيتين متجانستين، إحداهما تمثل العمال والريف والأخرى تمثل رأس المال والمدن. فكل من المعسكرين يضم شرائح ومصالح متعددة، وقد تتباين دوافع مؤيديه داخل المعسكر الواحد.
يستند معسكر حزب القانون والعدالة (PiS)، وحلفائه في اليمين القومي المحافظ، إلى قاعدة اجتماعية تضم قطاعات من سكان الأرياف والبلدات الصغيرة، وشرائح محافظة اجتماعياً، وأجزاء من الطبقة العاملة والمتقاعدين. وقد استفاد الحزب، خلال سنوات حكمه، من سياسات التحويلات الاجتماعية ودعم الأسر، ومن خطابه الذي يربط السيادة الوطنية بالقيم التقليدية وبالدفاع عن الفئات التي تشعر بأنها مهمشة أمام التحولات الاقتصادية والثقافية. لكن هذا الدعم لا يعني أن الحزب يمثل مصالح هذه الفئات تمثيلاً طبقياً صافياً. فهو يجمع بين خطاب اجتماعي محافظ وسياسات تعمل ضمن النظام الرأسمالي، وتخدم أيضاً مصالح قطاعات من رأس المال المحلي والشرائح الاقتصادية المرتبطة بالدولة. كما أن استثمار المظالم الاجتماعية لا يعني بالضرورة معالجة أسبابها البنيوية.
في المقابل، يستند معسكر دونالد توسك والائتلاف المدني إلى قطاعات واسعة من سكان المدن، والشرائح المتعلمة والمهنية، وأجزاء من الطبقة الوسطى، وقطاعات من رأس المال التجاري والمالي والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الأوروبي. ويجد هذا المعسكر في الاندماج الأوروبي والانفتاح الاقتصادي والتعاون مع المؤسسات الغربية إطاراً مناسباً لتوجهاته السياسية والاقتصادية.
غير أن وصفه بأنه معسكر ليبرالي لا يعني أنه يمثل بديلاً اجتماعياً جذرياً عن اليمين القومي. فالخلاف بين الطرفين يتعلق بدرجة كبيرة بأسلوب إدارة الدولة، وبالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وبالهوية السياسية والثقافية، وبكيفية تنظيم العلاقة مع المؤسسات، أكثر مما يتعلق بتجاوز البنية الرأسمالية ذاتها.
من هنا، لا ينبغي الخلط بين التناقض السياسي الحاد والتناقض الطبقي الجذري. فقد تختلف القوى المتصارعة في خطابها وأولوياتها وتحالفاتها، لكنها تتحرك جميعاً داخل علاقات الإنتاج الرأسمالية، وتتنافس على إدارة الدولة وتحديد اتجاهاتها ضمن تلك العلاقات.
ثانياً: الحرب الأوكرانية وتوسيع التناقضات الداخلية
لا يمكن فصل التحولات البولندية عن الحرب في أوكرانيا. فبولندا تحولت منذ بداية الحرب إلى مركز أساسي للدعم اللوجستي والعسكري الغربي، وإلى ممر رئيسي للمساعدات، واستقبلت أعداداً كبيرة من اللاجئين الأوكرانيين، كما أعادت بناء قدراتها العسكرية بوتيرة متسارعة.
وتظهر الأرقام حجم التحول الذي أحدثته الحرب في الأولويات البولندية. فوفقاً لصندوق النقد الدولي، ارتفع الإنفاق الدفاعي البولندي من 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021 إلى نحو 4.5% عام 2025، وهي أعلى نسبة بين دول حلف شمال الأطلسي قياساً إلى الناتج. وبلغ الإنفاق العسكري نحو 46.7 مليار دولار، ليضع بولندا في المرتبة الخامسة أوروبياً من حيث القيمة المطلقة للإنفاق الدفاعي.
والأكثر دلالة أن الإنفاق على المعدات العسكرية ارتفع من 0.7% إلى 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وأصبح يمثل أكثر من نصف إجمالي الإنفاق الدفاعي. كما أشار تقرير صندوق النقد إلى أن جانباً كبيراً من الاستثمارات في المعدات جرى تلبيته عبر الواردات، ولا سيما من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في ظل محدودية القدرة الإنتاجية المحلية.
إن زيادة حجم الإنفاق العسكري تدفع لطرح السؤال حول اتجاهات الإنفاق العام، وحول المستفيدين من عقود التسليح، وحول أثر الاعتماد على الاستيراد في الاقتصاد المحلي، وجزئياً تفسر تعاظم الضغوط الاجتماعية على قطاعات مثل الصحة والتعليم. وتظهر التناقضات بصورة أكثر مباشرة في القطاع الزراعي. فقد أثار تدفق المنتجات الزراعية الأوكرانية، وما نتج عنه من منافسة وضغوط على الأسعار والأسواق، اعتراضات واحتجاجات بين المزارعين البولنديين. كما برزت توترات حول النقل والتجارة والحدود، في وقت تحاول فيه أوكرانيا الحفاظ على منافذها الاقتصادية في ظل الحرب.
أما استقبال اللاجئين فقد تفاعل مع مشكلات قائمة أصلاً في السكن والخدمات الصحية والتعليم وسوق العمل. وعندما تكون هذه القطاعات تعاني نقصاً أو ضعفاً في التمويل، يمكن أن يتحول التنافس على الموارد المحدودة إلى مادة للتعبئة السياسية، حتى عندما لا يكون اللاجئون مسؤولين عن أصل الأزمة. إن المشكلة تبدأ عندما يجري تحويل التناقضات المعيشية الحقيقية إلى صراع قومي بين البولنديين والأوكرانيين، بدلاً من البحث في السياسات الاقتصادية التي تنتج الضغوط، وفي المصالح التي تستفيد من استمرار التعبئة العسكرية والاقتصادية.
ثالثاً: العلاقات البولندية الأوكرانية بين المصالح المشتركة والتنافس
تكشف العلاقات البولندية الأوكرانية بوضوح عن التناقض بين الضرورات الأمنية والمصالح الاقتصادية والذاكرة التاريخية. فالحرب عززت تقارب البلدين في سياق العداء لروسيا، لكنها لم تلغِ التنافس بينهما على الأسواق والنقل والزراعة والنفوذ الإقليمي.
في دراسة نشرها إريك غرين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 6 نيسان/أبريل 2026، بعنوان «أمم متقاربة وجيران غير مرتاحين»، يعرض الباحث طبيعة العلاقة المركبة بين البلدين. فبولندا وأوكرانيا تجمعهما مصالح أمنية واستراتيجية، كما تربطهما علاقات ثقافية واجتماعية متداخلة، لكنهما تتنافسان اقتصادياً في بعض القطاعات، ولا سيما الزراعة، وتختلفان حول ملفات الذاكرة التاريخية وشروط بناء الشراكة المستقبلية. وقد برز هذا التنافس مع تدفق المنتجات الزراعية الأوكرانية عبر الممرات البرية الأوروبية، بعد تعطل جزء كبير من طرق التصدير التقليدية عبر البحر الأسود. وأثار ذلك اعتراضات المزارعين البولنديين، ووصل إلى فرض قيود على بعض الواردات الأوكرانية وإغلاق المعابر واندلاع احتجاجات. كما أن مستقبل إعادة إعمار أوكرانيا، ومشاركة الشركات البولندية فيها، وموقع أوكرانيا المحتمل داخل الاتحاد الأوروبي، كلها قضايا تحمل فرصاً للتعاون ومجالات للتنافس في الوقت نفسه. ولا تقتصر الخلافات على الاقتصاد. فالذاكرة التاريخية، ولا سيما مجازر فولينيا خلال الحرب العالمية الثانية، وما ارتبط بها من قتل مدنيين بولنديين على يد التشكيلات النازية الأوكرانية، لا تزال حاضرة في النقاش السياسي. كما أن قضايا التنقيب عن الضحايا وإعادة دفنهم والاعتراف بالمسؤوليات التاريخية تتحول بين حين وآخر إلى مادة للتوتر بين الحكومتين.
إن فهم الحالة البولندية يقتضي وضعها في سياق أوسع، تتداخل فيه تناقضات الرأسمالية العالمية مع التحولات في بنية الدولة والمجتمع، ومع تصاعد التنافس الجيوسياسي والعسكري، وعودة القضايا القومية والتاريخية إلى واجهة الصراع السياسي
وتظهر نتائج استطلاع أجراه مركز CBOS البولندي في تموز/يوليو 2026، على عينة وطنية ممثلة من 938 بالغاً، حجم هذا التراجع في صورة العلاقات الثنائية. فقد وصف 46% من المستطلعين العلاقات البولندية الأوكرانية بأنها سلبية، بزيادة 19 نقطة مئوية مقارنة باستطلاع تشرين الأول/أكتوبر 2023، في حين لم تتجاوز نسبة من وصفوها بالإيجابية 12%.
لكن الدلالة الأهم تكمن في أن 73% من المستطلعين رأوا أن سياسيين من البلدين يؤججون الخلافات لتحقيق مكاسب سياسية، وأن 80% اعتقدوا أن روسيا تستفيد من هذا النزاع. وفي المقابل، رأى 75% أن على البلدين التعاون في مواجهة التهديد الروسي بدلاً من التركيز على الخلافات. كما اعتبر 61% أن التعاون الأمني ينبغي أن يكون الهدف الأول للعلاقات بينهما.
تكشف هذه النتائج أن التوتر الشعبي حقيقي، لكنه لا يعني أن المجتمع البولندي يتجه بالضرورة إلى رفض التعاون مع أوكرانيا. فهناك تمييز واضح لدى المستطلعين بين الخلافات الثنائية والعداء المشترك لروسيا.
كما يجدر التمييز بين الذاكرة التاريخية والمطالب الإقليمية الراهنة. فمناطق غرب أوكرانيا الحالية، ومنها لفيف، كانت جزءاً من الجمهورية البولندية الثانية بين الحربين العالميتين، وبقيت حاضرة في الذاكرة القومية البولندية تحت تسمية «الأراضي الشرقية» أو «كريسي». لكن هذا الإرث التاريخي لا يظهر علناً في الخطاب السياسي البولندي.
هذا الموقف لا يلغي وجود تيارات قومية متطرفة أو خطابات تاريخية توسعية، ولا يلغي التنافس البولندي الأوكراني على النفوذ والأسواق وإعادة الإعمار. وبولندا تسعى لاحتلال موقع متقدم في إعادة تشكيل المجال الاقتصادي والسياسي الإقليمي بعد الحرب. وقد تتعارض مصالح البلدين في التجارة والزراعة والنقل والنفوذ، حتى مع استمرار حاجتهما إلى التعاون الأمني.
رابعاً: روسيا في المشهد
إن وضع روسيا في هذه المعادلة يقتضي تجاوز تصورين متقابلين، كلاهما قاصر عن تفسير طبيعة الصراع. التصور الأول يختزل روسيا في كونها قوة عدوانية خارجية تهدد النظام الأوروبي، من دون النظر إلى المصالح الجيوسياسية والاقتصادية التي تحرك سياساتها، أو إلى تاريخ التوسع الأطلسي والصراع على مناطق النفوذ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. أما التصور الثاني فيتعامل مع روسيا بوصفها قوة مضادة للإمبريالية الغربية، ويمنحها صفة تحررية لمجرد مواجهتها الهيمنة الأميركية. وهذا التصور لا يقل تبسيطاً عن الأول، لأنه يتجاهل طبيعة النظام الاقتصادي الروسي وعلاقات الإنتاج السائدة فيه.
روسيا اليوم دولة رأسمالية، ذات سلطة مركزية قوية، يرتبط فيها رأس المال الكبير ارتباطاً وثيقاً بالدولة وبمراكز القرار السياسي والأمني. وهي قوة عسكرية ونووية وطاقوية كبرى، تسعى إلى تثبيت موقعها في النظام الدولي، وحماية مناطق نفوذها، ومنع خصومها من إحكام الطوق الاستراتيجي حولها.
لكن هذا الطموح لا يجعلها قوة مكافئة للولايات المتحدة في جميع عناصر القوة. فالفارق بينهما كبير في حجم الاقتصاد، والقدرة المالية، والتكنولوجيا، والانتشار العالمي، وشبكات التحالفات. وتمتلك روسيا أدوات قوة نوعية، أبرزها السلاح النووي والموارد الطبيعية والقدرات العسكرية، لكنها لا تمتلك البنية الاقتصادية والمالية العالمية التي تتمتع بها الولايات المتحدة.
إن الحرب على روسيا لا تعني أن أوكرانيا هي فقط أداة تستخدمها الولايات المتحدة ودول الناتو لاستنزاف روسيا وإضعافها. إنها أيضاً حرب تمس أوكرانيا نفسها، ومستقبلها، وتعيد تشكيل التوازنات الأمنية الأوروبية، وتطرح أسئلة حول حدود النفوذ الروسي وحدود التوسع الغربي.
في الخطاب السياسي البولندي المتماهي مع الغرب في العداء لموسكو، تُقدم روسيا كتهديد دائم من خلال استدعاء المراحل السابقة من التاريخ المشترك، واللعب على العواطف القومية، ناهيك أن توتير الأوضاع مع موسكو يعزز الأهمية الاستراتيجية لبولندا لدى الولايات المتحدة وحلف الناتو، ويمنح الدولة البولندية مبررات لتوسيع قدراتها العسكرية وتثبيت موقعها في المنظومة الأمنية الغربية.
خامساً: بولندا في مرآة الأزمة الرأسمالية
إذا وضعنا الحالة البولندية في سياقها العالمي، نجد أن كثيراً من تناقضاتها تتكرر، مع اختلاف الخصوصيات، في بلدان أخرى من المراكز الرأسمالية.
في الولايات المتحدة، تتعمق الانقسامات السياسية والاجتماعية، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، وتتزايد الفجوة بين الثروة والدخل، فيما تتحول الهجرة والهوية والأمن إلى قضايا مركزية في التعبئة الانتخابية. وفي فرنسا، تتداخل أزمة التمثيل السياسي مع تراجع الخدمات العامة والضغوط المعيشية، ويشتد الصراع بين تيارات اليمين القومي واليسار والقوى الليبرالية التقليدية. وفي ألمانيا، تتفاعل كلفة التحول الصناعي والطاقة والتنافس الدولي مع صعود اليمين المتطرف، وتبرز أسئلة تتعلق بمستقبل الصناعة الألمانية وموقعها في الاقتصاد العالمي. وفي بريطانيا، لا تزال آثار التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع بعض القواعد الصناعية، وأزمة الخدمات العامة، تؤثر في المشهد السياسي وتغذي حالة عدم الاستقرار.
لا يعني ذلك أن هذه المجتمعات تعيش أزمة واحدة متطابقة، أو أن القوى السياسية فيها تؤدي الأدوار نفسها. فلكل بلد تاريخه وبنيته الطبقية ومؤسساته وموقعه في تقسيم العمل الدولي. لكن تكرار بعض الظواهر يشير إلى وجود شروط بنيوية مشتركة تستحق البحث. في مقدمة هذه الشروط أزمة تراكم رأس المال، وتزايد التفاوت في توزيع الثروة والدخل، وتراجع قدرة قطاعات واسعة من السكان على تأمين السكن والرعاية الصحية والتعليم والعمل المستقر. كما أن انتقال الصناعات، وتغير أنماط الإنتاج، والتوسع في الاقتصاد المالي، والتحولات التكنولوجية، كلها عوامل تعيد تشكيل سوق العمل وتوزيع القوة الاقتصادية والاجتماعية.
ولا تظهر الأزمة بالضرورة في صورة انهيار اقتصادي شامل. فقد تستمر الأرباح في قطاعات معينة، وتتوسع الثروات في أوساط محدودة، بينما تتدهور شروط الحياة لدى قطاعات أخرى. وقد تسجل المؤشرات الاقتصادية نمواً، من دون أن يشعر معظم السكان بتحسن مماثل في مستوى معيشتهم.
وهذا التناقض بين نمو الثروة وتفاقم انعدام الأمان الاجتماعي يضعف الثقة بالمؤسسات السياسية، ويجعل قطاعات من المجتمع أكثر استعداداً لتأييد قوى تعدها بالتغيير أو باستعادة السيطرة الوطنية أو بحماية الهوية والمصالح المحلية.
لكن صعود اليمين القومي ليس نتيجة آلية للفقر أو البطالة، ولا يمكن تفسيره بمجرد الإشارة إلى الأزمات الاقتصادية. فالأزمة المادية لا تنتج وحدها شكلاً سياسياً محدداً. إنها تفتح المجال أمام صراعات على تفسير الأزمة وتحديد المسؤول عنها، وعلى بناء التحالفات الاجتماعية القادرة على تحويل الغضب إلى قوة سياسية.
وهنا تبرز أهمية مفهوم غرامشي عن أزمة الهيمنة. فالأزمة لا تقتصر على تراجع قدرة الطبقة الحاكمة على إدارة الاقتصاد، بل تشمل أيضاً تراجع قدرتها على إنتاج القبول الاجتماعي، وإقناع قطاعات واسعة بأن النظام القائم يعبر عن مصالحها العامة. عندما تفقد القوى السياسية التقليدية قدرتها على تقديم حلول مقنعة، لا تختفي التناقضات الاجتماعية، بل تتمظهر في تعبيرات سياسية منها في نهوض اليمين القومي العنصري، أو في حركات احتجاجية، أو في أشكال مختلفة من الشعبوية، أو في قوى يسارية تحاول إعادة بناء مشروع اجتماعي بديل.
المسألة، إذاً، ليست في أن الأزمات الاقتصادية تنتج اليمين تلقائياً، بل في أن الصراع على توجيه الغضب الاجتماعي وتحديد وجهته يصبح أكثر حدة في ظروف تراجع الهيمنة السياسية والأيديولوجية.
سادساً: التناقض بين تدويل رأس المال وعودة القومية
من أبرز مفارقات المرحلة الراهنة أن الرأسمالية التي دفعت، لعقود، باتجاه تدويل الإنتاج والأسواق وسلاسل التوريد، تجد نفسها اليوم أمام عودة قوية للدولة القومية والحماية التجارية والتنافس على الموارد والتكنولوجيا. لم تعد العولمة الاقتصادية، بصيغتها السابقة، قادرة على إخفاء التناقضات التي أنتجتها. فالتشابك الاقتصادي بين الدول لم يلغِ التنافس بينها، بل جعل السيطرة على سلاسل الإنتاج والطاقة والمعادن النادرة والتكنولوجيا المتقدمة أكثر أهمية في الصراع الدولي.
كما أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والحرب في أوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية، وإعادة توطين بعض الصناعات الاستراتيجية، كلها مؤشرات إلى أن الدولة عادت بقوة إلى قلب التراكم الرأسمالي، لا بوصفها نقيضاً للسوق، بل باعتبارها أداة لتنظيم المنافسة وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي هذا السياق، لا تعود القومية كتعبير عن ذاكرة تاريخية أو انتماء ثقافي، بل تتحول إلى أداة لتعبئة المجتمع حول الدولة، وإعادة تعريف المصالح الوطنية، وتبرير سياسات اقتصادية وعسكرية قد تتحمل كلفتها الفئات الاجتماعية الأقل قدرة على التأثير في القرار.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن القومية ليست ظاهرة واحدة. فقد تكون في سياقات تاريخية معينة أداة لمقاومة الاستعمار والتحرر الوطني، وقد تتحول في سياقات أخرى إلى أداة لتبرير التوسع والهيمنة أو لتغطية التناقضات الطبقية الداخلية. لذلك لا يكفي تحديد الخطاب القومي، بل يجب البحث في القوى الاجتماعية التي تستخدمه، والمصالح التي يخدمها، والوظيفة التي يؤديها في كل حالة.
وتقدم بولندا مثالاً واضحاً على هذا التداخل. فاستدعاء الذاكرة التاريخية تجاه روسيا يعزز التماسك الأمني والسياسي حول الدولة، فيما يمكن استدعاء الخلافات التاريخية مع أوكرانيا لتغذية نزعات قومية داخلية. وفي الحالتين، لا يمكن فهم الوظيفة السياسية لهذه الذاكرة بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
سابعاً: من التناقضات الاجتماعية إلى الصراع الجيوسياسي
ما تكشفه الحالة البولندية هو أن الحدود بين الداخلي والخارجي لم تعد واضحة كما كانت تبدو في بعض التحليلات التقليدية. فالسياسات الخارجية والحروب والتحالفات العسكرية تؤثر مباشرة في توزيع الموارد داخل المجتمع، وفي أولويات الإنفاق العام، وفي سوق العمل، والتجارة، والزراعة، والطاقة. وفي المقابل، تؤثر التناقضات الاجتماعية الداخلية في قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها الخارجية، وفي طبيعة تحالفاتها ومواقفها من النزاعات الدولية.
يمكن النظر إلى هذه العملية باعتبارها سلسلة من التفاعلات المتبادلة: أزمة تراكم رأس المال تؤدي إلى تفاقم التفاوت والهشاشة الاجتماعية؛ وهذه التناقضات تضعف الثقة بالمؤسسات وتفتح المجال أمام أزمة في الهيمنة السياسية؛ ثم تتنافس القوى السياسية على استثمار الغضب الاجتماعي وتوجيهه؛ وفي ظل التنافس الدولي، تكتسب هذه الصراعات الداخلية أبعاداً قومية وأمنية وجيوسياسية جديدة.
لكن هذه السلسلة ليست قانوناً آلياً أو خطاً مستقيماً. فالتناقضات تتفاعل وتتداخل، وقد يؤدي عامل خارجي إلى تسريع أزمة داخلية، كما قد تستخدم قوى داخلية التوترات الدولية لتعزيز مواقعها. وقد تتحول أزمة اقتصادية إلى أزمة سياسية من دون أن تنتج بالضرورة بديلاً تقدمياً، إذا لم تتوافر قوى اجتماعية وسياسية قادرة على تنظيم المطالب المعيشية ضمن مشروع تغيير واضح.
وهذا ما يجعل مسألة بناء البديل السياسي والاجتماعي مسألة مركزية. فمجرد كشف تناقضات الرأسمالية لا يكفي لتغييرها، كما أن فضح تناقضات اليمين القومي والعنصري لا يضمن تلقائياً تقدم القوى اليسارية. المطلوب هو إعادة وصل الصراع السياسي بالمصالح المادية للطبقات والفئات الشعبية، وبالقضايا اليومية التي تمس حياتها: الأجور، والسكن، والصحة، والتعليم، والعمل، والضمان الاجتماعي، والخدمات العامة، والحق في الأمن والاستقرار رفضاً لسياسات العسكرة وإشعال الحروب.
ومن دون ذلك، قد يبقى الغضب الاجتماعي أسير الانقسامات الهوياتية والقومية، وتتمكن القوى الأكثر تنظيماً وتمويلاً وإعلاماً (الممثلة لمصالح رأس المال الكبير) من توجيهه نحو خصوم تختارهم، بدلاً من أن يتجه إلى البنى الاقتصادية والسياسية التي تنتج التفاوت والاستغلال.
خاتمة
تكمن أهمية بولندا في أنها تقدم نموذجاً مكثفاً لتداخل التناقضات التي يعيشها النظام الرأسمالي العالمي. ففي بلد واحد، نجد أزمة مؤسساتية وصراعاً على طبيعة الدولة، وتنافساً بين قوى سياسية ذات قواعد اجتماعية مختلفة، وضغوطاً معيشية متصلة بالاقتصاد العالمي، وتداعيات مباشرة للحرب الأوكرانية، وتوتراً بين المصالح الأمنية والمصالح الاقتصادية، واستدعاءً لذاكرة تاريخية مثقلة بالصراعات، فضلاً عن تنافس القوى الكبرى على إعادة رسم موازين النفوذ في أوروبا. ومن الجلي أن هذه العناصر لا تعمل منفصلة بعضها عن بعض. فالأزمة الاقتصادية لا تبقى اقتصادية، بل تنتقل إلى المجال السياسي والثقافي والهوياتي، وتجد تعبيراتها في الصراعات القومية والمؤسساتية. والتنافس الدولي لا يبقى خارجياً، بل يتغلغل في البنية الاجتماعية للدول، ويؤثر في أولوياتها الاقتصادية والعسكرية، وفي طبيعة التحالفات السياسية داخلها.
ومن هنا، لا يمكن تفسير ما يجري في بولونيا باعتباره مواجهة بين قومية محافظة وليبرالية أوروبية، أو باعتباره مجرد نتيجة للعداء التاريخي مع روسيا، أو باعتباره انعكاساً مباشراً للحرب في أوكرانيا. هذه كلها أبعاد حقيقية، لكنها لا تفسر وحدها البنية التي تنتظم ضمنها.
إنه، في أحد مستوياته الأساسية، تعبير عن أزمة أعمق في الرأسمالية العالمية؛ أزمة لا تعني بالضرورة قرب انهيار النظام، لكنها تكشف حدود قدرته على تجديد شروط استقراره وإنتاج توافق اجتماعي حوله.
وهنا تبرز مسألة لا يجوز إغفالها: إن أزمة النظام لا تنتج بالضرورة بديلاً عنه. فقد تكون النتيجة صعود قوى قومية محافظة، أو تعميق النزعات السلطوية، أو تصاعد التنافس العسكري، أو إعادة توزيع النفوذ بين مراكز رأسمالية متنافسة. وقد تفتح، في المقابل، المجال أمام تجدد اليسار والحركات الاجتماعية، إذا استطاعت هذه القوى أن تفهم طبيعة التحولات وأن تبني مشروعاً سياسياً متصلاً بالمصالح الفعلية للطبقات الشعبية.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم قراءتنا للحالة البولندية، ولما يجري في بقية المراكز الرأسمالية، ليس فقط: من ينتصر في الصراع السياسي؟ بل أيضاً: أي مصالح اجتماعية واقتصادية يمثل هذا الانتصار؟ ومن يدفع ثمنه؟ وأي اتجاه يفتح أمام المجتمع: إعادة إنتاج النظام القائم بصيغ جديدة، أم توسيع إمكانات تغييره؟
مراجع أساسية
1. صندوق النقد الدولي، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، نيسان/أبريل 2026، الفصل الثاني: «الإنفاق الدفاعي: التداعيات الاقتصادية الكلية والمفاضلات»، ولا سيما الحالة البولندية.
2. إريك غرين، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 6 نيسان/أبريل 2026، «أمم متقاربة وجيران غير مرتاحين: العلاقات البولندية الأوكرانية في ظل الحرب الروسية».
3. مركز CBOS البولندي، التقرير رقم 82/2026، 6 آب/أغسطس 2026، «العلاقات البولندية الأوكرانية». يستند إلى استطلاع ميداني أُجري في تموز/يوليو 2026 على عينة ممثلة من 938 بالغاً.
4. وكالة الأنباء البولندية PAP، 28 تموز/يوليو 2026، «وارسو ترفض مزاعم بوتين بشأن مطالب بولندية بأراضٍ أوكرانية».