كنت قد تحدثت سابقًا عن رولان بارت الناقد الفرنسي المعروف الذي اجتهد كثيرًا في محاولة دفعنا للاهتمام بشبكة الأسئلة والألغاز والاحتمالات والتأجيلات التي يتم الإجابة عنها لاحقًا، واعتبرها قيمة إضافية للنصوص بنيت عليها نظرية التلقي المعنية بالإثارة والتشويق... ومررت يومها في عجالة على الأنظمة الدلالية أو الرموز الخمسة التي وضعها، ونصح باستخدامها لقراءة النصوص وتحليلها، وتوقفت قليلًا عند الرمز التأويلي أو ما يسمى «hermeneutic code»،
وخلاصة ما قلنا عنه: إنه يهتم بكل ما يخلق سؤالًا أو لغزًا أو يصنع غموضًا أو نقصًا في المعارف والمعلومات في النصوص موضع القراءة تستدعي انتظار التفسير، أو الحل لاحقًا.
وكما هو معلوم فإن هذ النهج السردي المهم لم يكن حكرًا على رولان بارت، بل قال به كثير من النقاد والروائيين الكبار، وإن كان كل منهم قد تناوله بطريقته ومن زاويته، لكنهم اجتمعوا غالبًا حول أهمية طرح السؤال، ومحاولة الإجابة عنه بالتشارك بين النص السردي والقارئ المثابر، إذا ما أردنا تجويد نصوصنا أو اختبار جودتها. فهذا الناقد الفرنسي المعروف «جيرار جينيت» يتوقف عند الأسئلة التي يطرحها النص السردي الإبداعي من خلال شرحه لكيفية إدارة المعرفة داخل النص، واعتماده تقنيات مهمة في الكتابة السردية تعد مفتاحًا مهمًا للكتابة الإبداعية وأعني بذلك، تقنية الاستباق (foreshadowing) وتقنية الإخفاء (withholding information)، وباعتقادي أن كلا التقنيتين تعتمدان على رفع قيمة النص من خلال التعامل الجيد مع الاستفهامات وتوظيفها لخلق قيمة تشويقية له، وبالتالي نسجُ علاقة قوية تربطه بالقارئ اعتمادًا على الأسئلة المؤجلة أو تلك التي تُترك من دون الإجابة عنها، وهو الانفجار العظيم في السرد الذي قال به المخرج السينمائي العظيم البريطاني «ألفريد هيتشوك» ووافقه عليه كثيرون.
الناقد الألماني المعروف «ولفغانغ إيزر» الذي يعد أهم مؤسسي نظرية التلقي، قدّم هو الآخر فكرة مهمّة جدًا تصب في هذا الاتجاه، في سياق حديثه عن نظرية التلقي، التي يراها من وجهة نظره تتكئ على الفراغات (Gaps / Blanks) وهذه تعتمد ببساطة على مبدأ في الكتابة السردية، يقول: «إن النص ينبغي ألا يقول كل شيء وبالتالي فهو يترك “فراغات” على القارئ أن يملأها» ويقينًا فإن هذه الفراغات ليست سوى أسئلة تبحث عن إجابة، وغموض ممنهج يدفع القارئ للمشاركة، وهذا يلتقي مباشرة مع فكرة بارت، ولكن من زاوية تلقي القارئ.
« أمبرتو إيكو» تحدث أيضًا عن «القارئ النموذجي» (The Role of the Reader) واعتبر أن النص الجيد، يبني استراتيجيات توقُّع، ويقود القارئ عبر سلسلة من الاحتمالات والأسئلة بمعنى أن القارئ يظل يتوقع ويخطئ ويعيد الكرة، حتى يصلَ إلى القيمة الحقيقية للنص، أو يقفَ على العمق الدلالي الذي يريده الكاتب، ولكن، بطريقة غير مباشرة، أو لنقل باتباع منهج الإجهاد الإبداعي المفضي للتعلق بالنص.
الناقد الأمريكي «بيتر بروكس» في كتابه (Reading for the Plot) أو ما يمكن أن نسميه «القراءة من أجل الحبكة» يرى أن: الرغبة في معرفة النهاية هي محرّكُ السرد، وأن القصة تُبنى على تأجيل الإشباع (delayed gratification) وهو وصف آخر لنفس الظاهرة التي نحن بصدد الحديث عنها، التي تعتمد على منهجية التعامل مع الأسئلة وتوظيفها لخلق قيمة إضافية للنصوص السردية، ونعني بذلك ببساطة: أن هناك سؤالًا قائمًا وإجابة مؤجلة، وسيميائيات تشير إلى قرب التوصل إليها، وبالتالي هناك رغبة مستمرة في القراءة سعيًا لسد هذه الفجوات والوصول إلى النهاية المرتقبة، وهو ما يفسر تعلقَنا بالنصوص التي تعتمد هذه المنهجية الإبداعية في كتابتها، وفي ظني لم تعد النصوص السردية تستغني عن هذا النوع من الكتابة المحفزة على القراءة.
لعل هذا بالضبط ما يمكننا أن نصف به رواية «بعض الفرح قد يكفي» للكاتبة السعودية/ ريم عبد الباقي التي تقع في 376 صفحة من القطع المتوسط، الصادرة عن دار غراب المصرية في عام 2023م، وهي التي تميزت بالفعل بهذه المنهجية الكتابية، بشكل لا يمكن تجاوزه إذا ما قررنا الحديث عنها رغم أنها رواية اجتماعية، لا تعتمد على التشويق والإثارة في مبدأ كتابتها، إذ ليس هناك انفجار عظيم مرتقب كما وصفه «هيتشكوك»، أو حدث كبير تدور في فلكه الأحداث الشذرية، وتنطلق من خلاله الاستفهامات التي نعتمد عليها، بل إنها تستخدم الإيقاع الزمني البطيء، أي أنها تشكل الهدوء السردي الذي يدفعك للتأمل ويمنحك الوقت الذي تريده لإنجاز المهمة، ولا تقلقك كثيرًا، كما يحدث عادة في الروايات البوليسية والغرائبية، لكنها على الجانب الآخر لا تسمح لك بالابتعاد عنها، بسبب اعتمادها في بنيتها السردية على شبكة معقدة من الأسئلة مصاغة بطريقة غاية في الروعة والجمال، تجعلك في حالة ترقب دائم بانتظار ما سيأتي لاحقًا، ويقودك ذلك للذهاب بعيدًا في التحليل والتأويل واستكمال نواقص السرد وسد الفراغات الإبداعية المتعمدة.
أتت هذه الاستفهامات الإبداعية في بعض السياقات بشكل مباشر تخللت حوارات الشخصيات، أو عبرت عن المونولوج الداخلي لأبطال العمل، وكانت في مجملها رائعة، كتلك التي تولدت عن مشاهدة مسنة في القطار تجلس بجوار رجل في مثل عمرها ص76، تقول بطلتنا غالية في حوارها مع نفسها: «بقيت وحيدة في مقعدها تفكر: هل هو زوجها، أم أخوها؟ بدا شخصًا قريبًا منها، بقدر ما كان حزنها موغلًا، ومشاعرها بعيدة، ما الذي يجعل شخصًا ما يخفي ضيقه وحزنه، عذابه أو ألمه عن أقرب الناس إليه، بدلًا من أن يتكئ على كتفه ويبثَّه همومه؟ يبتسم مداراةً لمشاعره أمامه، بدلًا من أن يبكي على صدره؟ لماذا نحتاج إلى أن نختبئ ممّن نحب؟» انتهى كلامها. والجميل هنا إسقاطها هذا المشهد على حياتها هي، وصورتها في زجاج نافذة القطار، ونهوضها بنفس الدور الذي استوقفها في العجوز المختبئة من قريبها، التي تضحي بنفسها لإسعاده..
مثل هذه الأسئلة المباشرة رافقتنا في معظم أجزاء السردية وأتت محملة بكثير من الفلسفات والمعاني والأفكار المضمرة، كما يظهر في استخدامها للمونولوج الداخلي ص156 للتعبير عن الحالة الوجدانية التي يعيشها «عمر»، يقول: «كيف بقيتِ بهذه البراءة يا غالية؟ أراد أن يسألها، ولكنه اكتفى بالنظر إليها مبهورًا، كلما حاولَ أن يرى فيها امرأة ناضجة، كانت الطفلة التي بداخلها تشاكسه، فلا يرى غيرها.» انتهى كلامه.
ظهر الاستفهام أيضًا بطريقة الاسترجاع ويحمل نفس المواصفات الإبداعية التي نطريها حيث يفوق العمق السطح بكثير، تقول ص93: «تذكّرت كلمات صديقتها (مرام) وهي تسألها: ما معنى أن نحيا خلف النوافذ نراقب فقط؟ هل يمكن أن نعتبر أننا قد عشنا حقًّا دون أن نلمس تفاصيل الحياة ونشعر بها؟ أليسَ من الأفضل أن نخوض فيها وتغمرنا أمواجها، بدلًا من الجلوس على الشاطئ؟ اختيار السلامة يا غالية ليس هو الاختيار الصائب دائمًا.