«بندرية».. رحلة لم تنتهِ في مملكة الإنسانية

تستعيد رواية «بندرية.. رحلة لم تنتهِ في مملكة الإنسانية» للدكتور مؤنس شجاع تجربة عائلية امتدت من منتصف الثمانينيات إلى نهاية التسعينيات الميلادية، حين واجهت الأسرة رحلة علاج إحدى بناتها من سرطان الدم. ومن خلال ذاكرة والدته «بندرية» رحمها الله، يضيء الكاتب جانبًا إنسانيًا من المرض، ظل حاضرًا في حياة أفراد الأسرة وذاكرتهم حتى اليوم. لم تكن «بندرية» في الرواية أمًا تراقب رحلة العلاج من بعيد؛ فقد عاشت الخوف والانتظار، وتمسكت بالأمل وهي تساند ابنتها وأسرتها. ويحوّل شجاع هذه الذاكرة إلى عمل أدبي يخلّد حضور والدته، ويمنح قصتها امتدادًا يتجاوز حدود التجربة الشخصية إلى أمهات وأسر مروا بظروف مشابهة. وتتجه الرواية إلى ما لا تكشفه الملفات الطبية ونتائج الفحوص: أثر المرض في البيت، وفي العلاقات اليومية، وفي مشاعر من يرافقون المريض. فالمرض الخطير لا يواجهه المريض وحده؛ إذ تخوض الأسرة بدورها رحلة من القلق والترقب والألم والدعاء، وتصبح مواعيد العلاج والتنقل بين المستشفيات جزءًا من تفاصيل حياتها. وتقف الأم في قلب هذه الرحلة؛ تحاول أن تمنح أبناءها الطمأنينة فيما تخفي خوفها، وتواصل السير في طريق لا تعرف نهايته. ومن خلال شخصية بندرية، يستحضر الكاتب مشاعر أمهات كثيرات عشن ابتلاء مرض أحد أبنائهن، ويمنح صبرهن مساحة للسرد والتأمل. بدأت الرحلة في محافظة الخرج، ثم انتقلت إلى الرياض، وتخللتها لحظات خوف وانكسار ومواقف تمسكت فيها الأسرة بحسن الظن بالله والدعاء والإنابة إليه. كما تستعيد الرواية ملامح من تلك الحقبة، ومنها أحداث غزو الكويت وما رافقها من انتكاس حالة المريضة، إلى جانب ذكريات الأطفال الذين شاركوا الأسرة رحلة العلاج؛ فنجا بعضهم، ورحل آخرون إلى رحمة الله. وبحسب مضمون العمل، لم تكن الكتابة استعادة للألم لذاته، بل محاولة لحفظ ذكرى الأم وتوثيق رحلة الأسرة، وصوغ تجربة قاسية في رسالة تمنح من عاشوا مثلها شعورًا بأن حكاياتهم مسموعة. وتؤكد الرواية أن المرض لا يصيب الجسد وحده، بل يمتد أثره النفسي والاجتماعي إلى الأسرة، ويعيد تشكيل علاقتها بالوقت والحياة والخوف والأمل. ومن هنا تطرح «بندرية» سؤالًا إنسانيًا عن الحياة حين يصبح مرض شخص عزيز محورها، وعن الأعباء التي تحملها الأسرة بصمت. كما تسلط الضوء على أهمية التبرع بالدم، ولا سيما الصفائح الدموية، ودورها في دعم مرضى السرطان خلال العلاج. ومن المقرر أن تتوافر الرواية في معرض الرياض الدولي للكتاب في ديسمبر المقبل، عن دار إبهار للنشر. ويأمل شجاع أن تبقى شهادة على صبر أسرته وما وجدته من رعاية واهتمام في «مملكة الإنسانية»، ورسالة إلى كل أم تقف إلى جانب ابنها في مواجهة المرض. وتحفظ الإشارات الرواية بعدًا توثيقيًا، إذ تسجل تفاصيل رحلة علاجية عاشتها الأسرة في زمن مختلف، وتستعيد أثر الرعاية الصحية والتكافل في عبور المحنة. بعض الحكايات تنتهي بانتهاء أحداثها، وأخرى تبقى بما تتركه في الذاكرة. أما «بندرية»، فرحلتها لم تنتهِ؛ لأن أمهات كثيرات يواصلن الحضور في الحكايات التي نكتبها عنهن. د. مؤنس شجاع