أعلنت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق ٢٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ / ٩ أكتوبر ٢٠٢٦م بعنوان: «وأعدوا»، وذلك ضمن الإصدار الخامس والسبعون من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء».
وأوضحت الأوقاف في بيانها أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة القادمة هو بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، التوعية بأمر الإسلام بإعداد العدة، أخذًا بأسباب القوة.
ونعرض إليكم في السطور التالية موضوع خطبة الجمعة.
يأتي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ﴾ [الأنفال: ٦٠] في سياقٍ يؤسس لمبدأ الإعداد، وقد جاء لفظ ﴿قُوَّةࣲ﴾ نكرةً في سياق الأمر؛ بما يدل على سعة مدلولها وتنوع صورها بحسب ما تحتاج إليه الأمة، قال الزمخشري: "مِنْ قُوَّةٍ: من كل ما يتقوّى به في الحرب من عُددها" [تفسير الكشاف]، وجاء قوله: ﴿مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم﴾ ليجعل الإعداد مرتبطًا بالقدرة والإمكان، ومتجددًا بتجدد الأحوال والوسائل.
وقد فسّر النبي -صلى الله عليه وسلم- القوة في أبرز صورها فقال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ثلاثًا [رواه مسلم]، فدلّ على أهمية إتقان وسائل الدفاع في كل عصر، دون أن ينحصر مفهوم القوة فيها، ويؤكد سعة المعنى قوله -صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» [رواه مسلم]، وقد حمل العلماء القوة فيه على معانٍ متعددة، منها قوة العزيمة والهمة والقدرة على العمل.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في وصف من تتوافر فيه مقومات الكفاءة: ﴿إِنَّ خَیۡرَ مَنِ ٱسۡتَءۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِیُّ ٱلۡأَمِینُ﴾ [القصص: ٢٦]، فجمع بين القوة والكفاءة من جهة، والأمانة والقيمة الأخلاقية من جهة أخرى؛ لتكتمل صلاحية الإنسان لحمل المسؤولية.
ومن هنا قرر عدد من المفسرين أن صور القوة تتنوع بتنوع الأزمنة، فتدخل فيها وسائل الدفاع، والعلم، والصناعة، والاقتصاد، وسائر أسباب المنعة، وهو ما ينسجم مع التجربة الحضارية الإسلامية التي قامت على تكامل عناصر متعددة، لا على سبب واحد؛ فالقوة منظومة تتساند فيها القدرة والمعرفة والأخلاق وحسن التدبير، ويكون معيارها الأهم قدرتها على حفظ المصالح وصيانة المجتمع وتحقيق العمران، قال الشيخ أحمد المراغي: "ويدخل فى هذا كل ما ولّده العلم فى هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات وقاذفات للقنابل ودبابات ومدافع رشاشة وبنادق وأساطيل بحرية ونحو ذلك مما صار ضروريا من آلات الحروب الحديثة، وصار مَن فقدها يشبه أن يكون أعزل من السلاح وإن كان مدجَّجا به، ويلزم هذا أن يكونوا عالمين بفنون الحرب والخطط العسكرية بارعين فى العلوم الطبيعية والرياضية، فكل ذلك واجب على المسلمين فى هذا العصر، لأن الاستعداد لا يتم إلا به" [تفسير المراغي].
وقال ابن عاشور: "والقوة كمال صلاحية الأعضاء لعملها ... وتطلق القوة مجازًا على شدَّة تأثير شيء ذي أثر، وتطلق - أيضًا - على سبب شدَّة التأثير، فقوَّة الجيش: شدة وقعه على العدو، وقوته - أيضًا: سلاحه وعتاده، وهو المرادُ هنا، فهو مجازٌ مرسَل بواسطتين، فاتخاذ السُّيوفِ والرِّماح والأقواس والنِّبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتِّخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا" [التحرير والتنوير].
وقال الشيخ محمد أبو زهرة: "هذا أمرٌ تكليفيٌّ وهو فرض كفاية على الأمة الإسلامية يجِب على الأمَّة كلها أن تتعاون في إعداد هذه القوة، بالدربة، والتعليم والرمي، وكل ما يربي الجندَ القوي؛ فلا بد من التربية على الجندية، وإعداد عدة القتال، وذلك بالمستطاع بل بأقصى ما يستطاع، ومن هنا بيانية في قوله: ﴿مِّن قُوَّةࣲ﴾، وهي تدل على عموم القوى، فأعدوا كل ما يمكن أن يكون قوة في الحرب من دربة على الرمي بالسهام،.. ومن القوة الحصون، ومن القوة المنجنيق، وهكذا كل ما يكون سببًا للقوة،... فكل قوة مستطاعة يجب على الأمة أن تتضافر على إيجادها، وإلا أثمت كلها، ولم ينج من الإثم فقيرها وغنيها ولا قويها أو ضعيفها، فالقادر بقدرته، والضعيف بلسانه" [زهرة التفاسير].
إذا كانت القوة في مفهومها الواسع لا تقوم إلا بمن يحملها ويوجهها، فإن الإنسان هو أصل كل قوة وميدانها الأول؛ ولذلك لم يكن بناء الإنسان في المنهج الإسلامي أمرًا هامشيًّا، بل ارتبط برسالته في الأرض واستخلافه فيها، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتعمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، أي طلب منكم عمارتها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، فصلاح الإنسان لحمل المسؤولية يقوم على الكفاءة والأمانة معًا، وقال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، فجمع بين القدرة على الأداء وحسن القيام بالأمانة.
وقد نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس باعتبار ما يملكونه من طاقات ومواهب قابلة للنماء، فقال: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسلَامِ إِذَا فقهوا» [متفق عليه]، وكان -صلى الله عليه وسلم- يكتشف مواهبَ أصحابه، ويضع كلًّا منهم في الموضع الذي يحسن القيام به؛ مثلما استفاد من زيد بن ثابت في تعلم لغات يحتاج إليها المسلمون في شؤونهم ومكاتباتهم.
ولم يكن بناء الإنسان عند المسلمين في مجال العلم والتنظير فحسب، وإنما اقترن بالعمل والإنتاج والاستقلال؛ قال -صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَأخُذَ أَحَدُكُم حَبلَهُ، فيَحتَطِبَ عَلَى ظَهرِه خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَسأَلَ النَّاسَ» [رواه البخاري]، وقال: «ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [رواه البخاري]؛ فالقوة البشرية طاقاتٌ مؤهلة، وعقولٌ متعلمة، وأيدٍ عاملة، ونفوسٌ مسؤولة.
إذا كان الإنسان هو حامل القوة ووسيلتها، فإنَّ العلم هو الذي يمنح هذه القوة بصيرتها وقدرتها على صناعة الحلول؛ ولذلك جاء الأمر بالعلم في القرآن مقرونًا بالجد والاجتهاد، قال تعالى: ﴿يَـيَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وقد فسَّرها المفسِّرون بالجدِّ في الأخذ به، والعزم على القيام بحقه؛ فالمعرفة في التصور الإسلامي ليست ترفًا فكريًّا، وإنما مسؤولية تقتضي التحصيل والعمل والإتقان.
وقد جعل القرآن القراءة والعلم من مفاتيح النهضة، فكان أول خطاب للوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال: ﴿يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فالعلم رفعة للفرد، وسبب لقوة المجتمع، وأداة لاكتشاف ما أودع الله في الكون من سنن وطاقات.
وجاءت السنة لتجعل طلب العلم طريقًا إلى الخير، فقال -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» [رواه مسلم].