بلا أبناء.. «إمبراطور اللوجستيات الألماني» يترك 49 مليار دولار للخير

** إمبراطورية استثمارية في الشحن والطيران والكيماويات والعقارات تنتقل إلى «مؤسسة كونه»** المؤسسة الخيرية مرشحة لأن تصبح واحدة من كبرى المؤسسات في أوروبا** ثروة كونه تضاعفت أكثر من أربع مرات خلال عقد** رحيل «إمبراطور اللوجستيات» يفتح صفحة جديدة لمستقبل شركاته العملاقةلم يترك الملياردير الألماني كلاوس مايكل كونه ثروته الهائلة لأبناء أو ورثة، بل اختار أن تؤول إمبراطوريته الاستثمارية، التي بلغت قيمتها نحو 49 مليار دولار، إلى مؤسسة خيرية تحمل اسم عائلته.ومع وفاة «إمبراطور اللوجستيات» عن عمر ناهز 89 عاماً، تبدأ واحدة من أكثر قصص انتقال الثروات إثارة في عالم الأعمال الأوروبي؛ إذ تستعد «مؤسسة كونه» لتولي مسؤولية محفظة ضخمة تمتد من الشحن والخدمات اللوجستية إلى الطيران والكيماويات والعقارات.وتأسست «مؤسسة كونه» عام 1976، وتنشط في مجالات الإغاثة الإنسانية واللوجستيات والبحوث الطبية والمناخ والثقافة.وستؤول إلى المؤسسة الخيرية محفظة استثمارية واسعة تضم أصولاً وحصصاً في عدد من كبرى الشركات، تتصدرها شركة «كونه+ناجل» العملاقة في خدمات الشحن والخدمات اللوجستية، التي شارك جد كونه في تأسيسها، إلى جانب استثماراته في شركة الشحن البحري «هاباغ لويد» وشركات أخرى.وتشرف على المؤسسة هيئة من الأمناء تضم عدداً من أقرب مستشاري كونه، إلى جانب زوجته كريستين، لتتولى إدارة واحدة من كبرى الثروات الخاصة التي تنتقل إلى مؤسسة خيرية في أوروبا.مستقبل الإمبراطورية الاستثماريةومع رحيل كونه، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي ستدير بها المؤسسة الخيرية أصوله واستثماراته على المدى الطويل، خصوصاً في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها قطاعات الشحن والنقل والطيران عالمياً.وكان كونه قد ابتعد منذ سنوات عن الإدارة اليومية لشركاته، لكنه ظل يتمتع بنفوذ قوي في رسم استراتيجيات أعمالها واتخاذ القرارات الكبرى، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الاتجاه المستقبلي لإمبراطوريته بعد انتقال السيطرة عليها إلى مؤسسة يديرها مجلس أمناء.وقال جورج فون شنورباين، أستاذ إدارة المؤسسات الخيرية والمتخصص في العمل الخيري بجامعة بازل، إن كونه كان شخصية مهيمنة للغاية، ويتصرف باستقلالية ويتحمل المسؤولية كاملة وحقق نجاحاً كبيراً، مشيراً إلى أن إدارة مجلس الأمناء تختلف بطبيعتها عن أسلوب رجل الأعمال الفرد؛ إذ تتطلب مزيداً من النقاش والتوافق، وقد تكون مستويات المخاطرة فيها مختلفة.ومن المرجح أن تحظى بعض الأصول الرئيسية في الإمبراطورية الاستثمارية بحماية خاصة باعتبارها جزءاً من إرث كونه، وفي مقدمتها «كونه+ناجل»، وربما «هاباغ لويد»، فيما قد تتمتع الاستثمارات الأخرى بمرونة أكبر في قرارات البيع أو الاحتفاظ أو الاستحواذ.من شركة عائلية إلى عملاق عالميوُلد كونه في هامبورغ في عام 1937، وانضم في عام 1958 إلى الشركة التي شارك جده في تأسيسها، في وقت كانت فيه صناعة النقل البحري تدخل مرحلة التحول الكبير مع انتشار الشحن بالحاويات.وسرعان ما صعد داخل الشركة، ليصبح رئيساً تنفيذياً في عام 1966 وهو في التاسعة والعشرين من عمره، قبل أن يقود على مدى عقود تحول الشركة من مؤسسة ألمانية متخصصة في خدمات الشحن إلى واحدة من كبرى مجموعات الخدمات اللوجستية في العالم.وبنهاية عام 2025، كانت «كونه+ناجل» توظف أكثر من 85 ألف موظف في 1366 موقعاً موزعة على 93 دولة، فيما بلغت إيراداتها السنوية نحو 24.5 مليار فرنك سويسري، بما يعادل 30.5 مليار دولار.بصمة في الشحن البحري والطيرانولم تقتصر إمبراطورية كونه على الخدمات اللوجستية؛ إذ كان أحد أبرز المستثمرين في قطاع الشحن البحري من خلال شركة «هاباغ لويد».وانضم في عام 2008 إلى تحالف «ألبرت بالين» الذي استحوذ على الشركة، في خطوة أسهمت في الحفاظ على استقلال الناقلة وبقائها في هامبورغ، قبل أن يرفع حصته تدريجياً إلى 30 %.كما امتدت استثماراته إلى قطاعات أخرى، شملت حصصاً كبيرة في «لوفتهانزا» وشركة توزيع المواد الكيميائية «برينتاغ»، إلى جانب استثمارات في شركات أخرى، منها «فليكس» وشركة الأدوية «أينوفا».وبرحيل كونه، لا تنتهي قصة إحدى كبرى الإمبراطوريات الاستثمارية في أوروبا، بل تبدأ مرحلة جديدة في تاريخها، مع انتقال مسؤولية إدارة ثروة ضخمة وأصول استراتيجية إلى مؤسسة خيرية ستتولى تنفيذ رؤيته طويلة الأجل والمحافظة على إرثه الاقتصادي والإنساني.