بلاغة العنوان في الرواية.. النص يبدأ قبل الصفحة الأولى – د. علي بن عالي  السعدوني

قد نقرأ رواية تمتد إلى ثلاثمائة صفحة أو تزيد، ونمضي مع شخصياتها من أول الحكاية إلى آخرها ونعيش تحولاتهم الصغيرة والكبيرة ونحفظ أسماء الأمكنة ونفهم أسباب الصراع ونتعاطف مع هذا ونغضب من ذاك ثم نغلق الكتاب فنكتشف أن الروائي كان قد وضع أمامنا منذ البداية خلاصة هذا العالم كله في كلمتين أو ثلاث استقرت على الغلاف، وأن العنوان الذي مررنا عليه سريعًا قبل القراءة لم يكن بطاقة تعريف بالنص ولا اسمًا اختاره المؤلف ليميز كتابه عن بقية الكتب، وإنما كان أول مفاتيح الرواية وأشدها اختصارًا وأكثرها قدرة على إخفاء المعنى وإظهاره في الوقت نفسه.

والعنوان الروائي الجيد لا يخبرنا بالحكاية كاملة؛ لأنه لو فعل ذلك لأصبح ملخصًا صغيرًا يسبق النص ويفسد جانبًا من متعة اكتشافه، وإنما يمنحنا طرفًا من المعنى ثم يترك الطرف الآخر معلقًا إلى أن نصل إليه بأنفسنا، ولذلك تتغير علاقتنا ببعض العناوين بعد القراءة لأن الكلمة التي كانت عادية على الغلاف تصبح مثقلة بالشخصيات والمصائر والأمكنة والدم والذاكرة والحب والخسارة، وكأن الرواية الطويلة لم تكن في جانب من جوانبها إلا شرحًا متأخرًا لذلك العنوان القصير.

ولننظر إلى نجيب محفوظ في (ثرثرة فوق النيل)، فالعنوان يبدو للوهلة الأولى بسيطًا لا يحتاج إلى كثير من التأويل لأن الثرثرة كلام والنيل مكان معروف، لكن محفوظ يجمع الكلمتين في تركيب يجعل الكلام العابر في مواجهة نهر يحمل في الذاكرة معنى الحياة والتاريخ والاستمرار ثم يضع بينهما كلمة صغيرة هي (فوق) فتتحول العلاقة المكانية إلى علاقة رمزية أوسع، فالشخصيات تجلس فوق النهر تتحدث وتجادل وتهرب من واقعها وتغرق في عالمها الخاص بينما الماء تحتها يواصل جريانه وكأن الحياة نفسها تمضي ولا تنتظر الذين اكتفوا بالكلام عنها.

ولماذا لم يسمِّ محفوظ روايته (العوامة) مع أنها المكان الذي يجمع الشخصيات وتدور فيه مساحة واسعة من الأحداث؟ لأن العوامة كانت ستدلنا على المكان وتنتهي مهمتها تقريبًا عند هذا الحد، أما (ثرثرة فوق النيل) فإنها لا تسمّي المكان بقدر ما تسمّي حالة الإنسان داخله وتكشف المسافة بين الكلام والفعل وبين الانشغال بالذات وحركة المجتمع خارجها، ولذلك لم يعد النيل في العنوان خلفية جغرافية للأحداث وإنما أصبح طرفًا صامتًا في المفارقة، ولم تعد الثرثرة مجرد حديث بين شخصيات وإنما أصبحت علامة على حالة كاملة أراد محفوظ أن يضعها أمام القارئ من غير أن يشرحها له مباشرة.

وفي (اللص والكلاب) يصنع محفوظ عنوانًا أكثر حدة، لأنه يضع أمامنا منذ البداية طرفين غير متكافئين هما اللص بصيغة المفرد والكلاب بصيغة الجمع، فينشأ الإحساس بالمطاردة قبل أن نعرف من يطارد من ولماذا بدأت المطاردة وإلى أين ستنتهي، ثم ندخل الرواية فنكتشف أن مدلول الكلاب يتسع في وعي سعيد مهران ولا يبقى محصورًا في المعنى الحرفي أو في رجال يلاحقونه، وإنما يمتد إلى عالم من الخيانة والانقلاب على المبادئ والخذلان الذي يشعر به البطل تجاه أشخاص كان يظن أنهم أقرب الناس إليه.

وكان محفوظ قادرًا على أن يجعل (سعيد مهران) عنوانًا للرواية لكنه لو فعل ذلك لجعل الشخصية مركز العنوان بينما أراد أن يجعل الصراع نفسه مركزًا له، ولذلك جاء (اللص والكلاب) عنوانًا يضع الإنسان في مواجهة عالم يراه متكاثرًا ضده، ويجعل الجمع في الطرف الثاني مقابل المفرد في الطرف الأول جزءًا من الإحساس بالحصار، وكأن البنية النحوية البسيطة للعنوان بدأت الحكاية قبل أن تبدأ الصفحة الأولى.

أما في (الحرافيش) فإن محفوظ يذهب إلى الجماعة بدل الفرد، فلا يختار اسم بطل واحد لأن الرواية تمتد عبر أجيال وتتجاوز مصير الشخصية المفردة إلى حركة مجتمع صغير تتكرر داخله أسئلة القوة والعدل والظلم والسلطة والضعف، ولذلك تصبح كلمة (الحرافيش) التي تحيل إلى العامة والبسطاء أكثر قدرة على حمل الرواية من اسم أي شخصية، لأن الأشخاص يذهبون ويتغيرون بينما الجماعة تبقى شاهدة على دورة القوة وسقوطها وعلى تبدل الفتوات وعلى ما يصيب الناس عندما يستقيم ميزان العدل أو يختل.

ومع غسان كنفاني في (رجال في الشمس) نجد عنوانًا لا يكشف المأساة وإنما يهيئ لها في صمت، فكلمة (رجال) تستدعي القوة والتحمل والقدرة على مواجهة المشقة بينما تبدو (الشمس) في البداية عنصرًا طبيعيًا مألوفًا لا يحمل وحده معنى المأساة، لكن الرواية تعيد بناء الكلمتين تدريجيًا إلى أن تصبح الشمس قوة ضاغطة ويصبح الرجال في مواجهة ظرف أقسى من قدرتهم على الاحتمال، وعندها نعود إلى العنوان بعد النهاية فنكتشف أن الكلمات نفسها لم تتغير لكن معناها في داخلنا تغير تمامًا.

ولماذا لم يسمها كنفاني (الخزان) أو (الهجرة) أو (الصحراء)؟ لأن هذه العناوين كانت ستشير إلى عنصر من عناصر الحكاية وتحبس الرواية داخله، بينما (رجال في الشمس) يضع الإنسان في مواجهة المكان والحرارة والظرف والمصير من غير أن يكشف النهاية، ولذلك تصبح الشمس بعد القراءة شيئًا آخر غير الشمس التي عرفناها قبلها، وهذه من أجمل قدرات العنوان الروائي لأن الكاتب يأخذ كلمة يومية مألوفة ثم يعيدها إلينا وقد حملها بتجربة كاملة.

وفي (مدن الملح) لعبدالرحمن منيف ندخل إلى مستوى آخر من بلاغة العنونة، لأن الكاتب يجمع بين كلمتين تكاد طبيعة كل واحدة منهما تناقض الأخرى فالمدن في وعينا مبنية لتبقى وتتسع وتستقر ويعيش الناس داخلها أجيالًا متعاقبة بينما الملح هش قابل للذوبان ولا يوحي بالثبات الذي توحي به الحجارة والجدران، ومن هذا التناقض تنشأ قوة العنوان لأن منيف لا يعطينا فكرة جاهزة وإنما يمنحنا صورة غريبة تظل تعمل في الذهن وتطالبنا بتفسيرها.

وكان يستطيع أن يختار عنوانًا مباشرًا يتحدث عن النفط أو الصحراء أو التحولات الاجتماعية لكنه لو فعل ذلك لأخبرنا بالقضية قبل أن نقرأها وحاصر النص في تسمية واحدة، أما (مدن الملح) فيفتح مساحة أوسع للتأويل ويجعل القارئ يتأمل كيف يمكن لشيء يبدو ثابتًا من الخارج أن يحمل في داخله أسباب هشاشته، ولذلك لم يكن الملح زينة لغوية في العنوان وإنما كان مفتاحًا لفهم التحولات العميقة التي تمس المكان والإنسان والعلاقات والقيم.

وفي (شرق المتوسط) يختار منيف الجغرافيا مرة أخرى لكنه لا يسمّي دولة ولا مدينة ولا نظامًا سياسيًا بعينه وإنما يترك المكان واسعًا في عبارة (شرق المتوسط)، وكأن عدم التحديد هو المقصود لأن تسمية بلد بعينه كانت ستجعل القارئ يضع التجربة داخل حدوده وينظر إليها باعتبارها حكاية محلية تخص مجتمعًا واحدًا، بينما العنوان المفتوح يوسّع التجربة ويجعل السجن والقمع ومعاناة الإنسان قابلة للقراءة في فضاء أكبر من حدود المكان المفرد.

أما الطيب صالح في (موسم الهجرة إلى الشمال) فقد اختار كل كلمة في عنوانه بطريقة تجعل استبدالها يغير جزءًا من المعنى، فهو لم يقل (السفر إلى الشمال) لأن السفر قد يكون انتقالًا عابرًا ينتهي بالعودة ولا يترك في الإنسان أثرًا عميقًا، وإنما قال (الهجرة) بما تحمله الكلمة من انتقال واقتلاع وتحول في العلاقة بالمكان والذات، ولم يقل (إلى لندن) أو (إلى أوروبا) وإنما قال (إلى الشمال) ليخرج بالمكان من حدوده الجغرافية المباشرة إلى فضاء حضاري وثقافي تتقاطع داخله علاقة الشرق بالغرب والذات بالآخر والمستعمَر بالمستعمِر.