عشرة أحرف فقط تكفي العربية لتقول: «أنُجبركم على قبولها وأنتم كارهون لها؟». هذه هي كلمة «أَنُلْزِمُكُمُوهَا» هود: 28، فيها استفهام وفعل وفاعل ومفعولان في نسيج واحد. هنا يتجلى الاختزال في العربية: لا هو بتر يُخلّ بالمعنى، ولا إسرافٌ يُثقل الكلام. الاختزال ليس ضيق عبارة، وإنما سعة فهم. فاللغة التي تتيح لك أن تضمّ الضمير إلى الفعل، وأن تحذف ما يدل عليه السياق، لا تفعل ذلك استعجالًا، بل ثقةً بقارئ يُكمل ما سُكت عنه. وكأن العربية تعقد مع متلقّيها ميثاقًا خفيًّا: أقول لك القليل، وتُعْمِلُ ذكائك في الباقي. ولهذا الميثاق أدواته. أولها الحذف: يُحذف المبتدأ حين يُعلم، ويُحذف الفعل حين تدل عليه القرينة، ويُحذف جواب الشرط تفخيمًا لما لا تحيط به العبارة. وقد وقف عبد القاهر الجرجاني أمام هذا الباب مبهورًا، فوصفه بأنه شبيه بالسحر، تجد فيه ترك الذِّكْر أفصح من الذِّكْر، والصمت أبلغ من الإفادة. وسمّى ابن جني ذلك «شجاعة العربية»، لأن الحذف مجازفة محسوبة، لا يُقدم عليها إلا من أمن اللبس. وثانيها الاشتقاق، إذ تتحول الجملة الكاملة إلى كلمة واحدة. فمن يقول «استسقى» قد قال «طلب السقيا»، ومن قال «استرجع» فقد قال «قال: إنا لله وإنا إليه راجعون». وكأن الصيغة الصرفية قالب جاهز يصبّ فيه المعنى دفعة واحدة، فلا تحتاج إلى سلسلة من الكلمات تحمله. وثالثها الضمائر المتصلة، فبحرف أو حرفين تلتحم الكلمات التحامًا يوفّر الفاصل والرابط: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ» البقرة: 137، جملة مكتملة المعنى، تجمع الوعد والمخاطَب والمكفيّ عنه في كلمة واحدة. ورابعها الإعراب نفسه، فلأن الحركات تحمل وظيفة الكلمة، تتحرر العربية من قيد الرتبة، فيتقدم المفعول ويتأخر الفاعل دون التباس، وتُستغنى عن كثير من أدوات الربط التي تحتاج إليها لغات أخرى لتأمن اللبس. غير أن الاختزال ليس مدحًا مطلقًا. فهو سلاح ذو حدين، إن أحسنه الكاتب صار إيجازًا بليغًا، وإن أساءَه صار غموضًا مستغلقًا. والفرق بينهما دقيق: الإيجاز يحذف ما يُستغنى عنه، والإخلال يحذف ما يُحتاج إليه. وقد قيل في البلاغة قديمًا إن الإيجاز «جوامع الكلم»، وهي صفة ارتبطت بأفصح من نطق بالضاد صلوات ربي وسلامه عليه، أي أن يجتمع في اللفظ القليل معنى كثير دون أن ينكسر ميزان الفهم. وفي زمن الرسائل القصيرة وسرعة التلقي، يحسن بنا أن نتساءل: هل نحن نختزل كما اختزلت العربية، أم نقتطع كما يقتطع المستعجل؟ إن اختزال العربية صنعة تراكمت عبر قرون، وأساسها علمٌ بالمعنى قبل علمٍ باللفظ. أما اختزال العجلة قصورٌ يُسمّى زورًا (بلاغة). فلنتعلم من لغتنا هذا الدرس: أن القلة لا تعني النقص، وأن الكلمة التي تحمل جملة قد تكون أبلغ من جملة طويلة.