بعنوان نبي الرحمة.. الأوقاف تنشر موضوع خطبة سلسلة زاد الأئمة والخطباء

نشرت وزارة الأوقاف لـ موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ والموافق ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦م بعنوان: «نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم»

وأشارت وزارة الأوقاف في بيانها إلى أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة هو التعريف بشمائل النبي ﷺ ومظاهر رحمته الشاملة، واستلهام القيم النبوية الراقية وتطبيقها في واقعنا المعاصر.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

فقد أشرقت آفاقُ الكون بأنوار الهداية، وتفتّحت للإنسانية أبوابٌ جديدة من الرحمة والرجاء بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أطلّ على الدنيا خيرُ من وطئت قدمُه الثرى، وأكرمُ من حمَل رسالة السماء، الرحمةُ المهداة، والسراجُ المنير، والنبيُّ الذي بدّد بنور الوحي ظلمات الجاهلية، وأحيا بالهداية قلوبًا أنهكها الضلال.

كان مولده ﷺ إيذانًا بفجرٍ جديد، وإطلالةً مباركةً لرسالةٍ غيّرت وجه التاريخ، وأعادت للإنسان كرامته، وللعدل مكانته، وللرحمة حضورها في حياة الناس.

ومن خلال المحاور التالية، نقف مع شمائله ﷺ وقفةَ محبٍّ متأمل، نستحضر جمال خُلقه، وسموّ خصاله، وعظيم خصائصه، ونستنير من سيرته العطرة بما يوقظ في النفوس معاني الرحمة، ويعيد إلى القلوب دفء الأخلاق النبوية الكريمة.

الرحمة جوهر رسالته ﷺقال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةً لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾، فكانت هذه الآية الكريمة كاشفةً عن حقيقة الرسالة المحمدية وجوهرها، ومبيّنةً أن الرحمة لم تكن خُلُقًا عارضًا في شخصية النبي ﷺ، ولا خصلةً تظهر في بعض مواقفه ثم تغيب، وإنما كانت روح رسالته، وغاية بعثته، وأثرًا ممتدًّا في كل ما جاء به من هدي وتشريع.

يقول الطبري: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: وما أرسلناك يا محمد إلى خلقنا إلا رحمة لمن أرسلناك إليه من خلقي.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية، أجميع العالم الذي أرسل إليهم سيدنا محمد أريد بها مؤمنهم وكافرهم؟ أم أريد بها أهل الإيمان خاصة دون أهل الكفر؟ فقال بعضهم: عني بها جميع العالم المؤمن والكافر.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كُتِبَ لَهُ الرَّحْمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ عُوفِيَ مِمَّا أَصَابَ الْأُمَمَ مِنَ الْخَسْفِ وَالْقَذْفِ" [جامع البيان].

ويقول ابن جُزَي: "هذا خطاب لسيدنا محمد ﷺ، وفيه تشريف عظيم... والمعنى: أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلمهم بعد الجهالة وهداهم بعد الضلالة" [التسهيل لعلوم التنزيل].

وقد جاءت رحمته ﷺ أوسع من أن تحدّها دائرة أو يقيّدها انتماء؛ فلم تكن رحمةً لفئة دون أخرى، ولا لقوم دون قوم، بل كانت رحمةً للعالمين، شملت المؤمن والمخالف، والقريب والبعيد، والصغير والكبير، والصديق والعدو، وامتدت حتى إلى الحيوان وسائر المخلوقات، فكان ﷺ رحمةً تمشي بين الناس، يرقّ للضعيف، ويواسي الحزين، ويعطف على المحتاج، ويصفح عمّن أساء، ويحرص على هداية مَن خالفه، حتى غدت الرحمة في سيرته منهجًا أصيلًا لا موقفًا استثنائيًا.

ولم تقف رحمته ﷺ عند حدود المشاعر والعواطف، بل تحوّلت إلى منهج حياة متكامل تجلّى في أقواله وأفعاله، وفي عباداته ومعاملاته، وفي بيته ومجتمعه، وفي حال السلم والحرب، وفي تعامله مع أصحابه ومخالفيه، فكان يعلّم الرحمة قولًا، ويجسّدها فعلًا، ويغرسها في النفوس خُلقًا وسلوكًا.

قال الأستاذ الدكتور محمد الطيب النجار: " وكان عليه الصلاة والسلام يُؤلف الناس ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبًا حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، مَن جالسه أو قاربه لحاجة صابَرَه حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا وصاروا عنده في الحق سواء، وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظٍ ولا غليظٍ ولا صخَّابٍ ولا فحَّاشٍ ولا سبَّابٍ" [القول المبين].

رحمته ﷺ بأهل بيته وقرابتهقال الشيخ محمد أبو زهرة: "وإن شفقته الشخصية على المتصلين به لتبدو في معاملته لأهله من أزواج وأقارب، سواء أكانوا أقربين أم كانوا غير ذلك ممن لهم رحم موصولة.

ولقد امتنع عليه النوم عندما أسِر عمه العباس بن عبد المطلب في غزوة بدر، فكان يبكي لأنينه، وهنا في هذه القضية، يبدو أمران يظهران متناقضين:

أولهما: ألمه لأن عمه وحبيبه العباس قد أسر، ويذوق مرارة الأسر يشفق عليه، ويشتد الأسى عليه.

وثانيهما: العدالة المقررة الثابتة التي تسوى بين الناس في النتائج، إذا تساووا في الأسباب الموجبة لهذه النتائج المؤدية إليها..." [خاتم النبيين].

رحمته ﷺ بالأطفال والضعفاءكان النبي ﷺ، على علوّ مكانته وعظيم شأنه، قريبًا من الصغار، يملأ قلوبهم أُنسًا ومحبة، ويعاملهم بعطفٍ يفيض رحمةً وحنانًا، فكان يحمل الأطفال ويقبّلهم ويداعبهم، ويخصّ الحسن والحسين رضي الله عنهما بعنايةٍ ظاهرة، فيلاطفهما أمام أصحابه دون أن يرى في ذلك ما ينقص من هيبته أو مكانته، وحين استنكر البعض تقبيله للصبيان، بيّن ﷺ أن الرحمة هي التي تمنح القلب إنسانيته، فعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» [متفق عليه]؛ وستبقى هذه الكلمة منهجًا خالدًا في تربية النفوس، ودليلًا على أن إظهار الحنان والرفق ليس ضعفًا، بل هو من كمال الشخصية ونبل الخلق.

قال ابن بطال: "دل أن تقبيل الولد الصغير وحمله والتحفي به مما يستحق به رحمة الله، ألا ترى حمل النبي عليه السلام أُمامةَ ابنة أبي العاص على عنقه في الصلاة، والصلاة أفضل الأعمال عند الله، وقد أُمر عليه السلام بلزوم الخشوع فيها والإقبال عليها، ولم يكن حمله لها مما يضاد الخشوع المأمور به فيها، وكره أن يشق عليها لو تركها ولم يحملها في الصلاة، وفي فعله عليه السلام ذلك أعظم أسوة لنا فينبغي الاقتداء به في رحمته صغار الولد وكبارهم والرفق بهم" [شرح صحيح البخاري].

ويقول ابن رسلان الشافعي: "وحكمة هذِه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير، والغني للفقير، حتى يحفظ نوعه وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير، فمن خلق اللَّه في قلبه الرحمة الحاملة على الرفق فذلك علامة على رحمة اللَّه له في تلك الحال والمآل، ومن سلب اللَّه الرحمة من قلبه وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظة فلم يرفق بضعيف ولا رحم صغيرًا فذلك علم على شقوته في تلك الحال والمآل" [شرح سنن أبي داود].