.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
في خيمة بلاستيكية أكلتها الأزمات، تطلّ على حقول البطاطا عند أطراف بلدة مجدلون غرب بعلبك، يقف المزارع أمين مصطفى يقلّب محصولاً خسِر أكثر من نصف قيمته هذا الموسم. يمسح يديه المتربتين ويقول بنبرة ملؤها الحرقة: "تجاوزت كلفة زراعة الدونم من البطاطا ألف دولار بين ثمن الأسمدة وكلفة المازوت المستخدم للري.
نبيع الكيلوغرام في السوق المحلية بأقل من كلفته، والحدود المقفلة أمام التصدير كتمت أنفاسنا، لسنا هواة شكوى، لكن الأرض التي ربّينا عليها أولادنا باتت تأكل أرزاقنا".
قصة أمين تختصر الوجع اليومي لمزارعي بعلبك-الهرمل؛ المحافظة التي تعيش على خط التماس المباشر بين الضغط المعيشي والتهميش الإنمائي.
يمر القطاع الزراعي، شريان الحياة لأكثر من 65% من أسر المحافظة، بأسوأ أزماته. ويوضح أمين سر الاتحاد العام للنقابات الزراعية في لبنان جورج حنا فخري لـ"النهار" واقع الحال بالأرقام: "تراجعت المساحات المزروعة في السهل هذا العام بنسبة تتجاوز 40% مقارنة بالأعوام السابقة. ارتفاع أسعار الطاقة وانعدام الدعم الحكومي وضعا المزارع أمام خيارين: إما ترك الأرض بوراً وإما الغرق في الديون. ما نطلبه حماية المنتج المحلي وضبط المعابر لمنع التهريب الذي يغرق أسواقنا".
وأضاف: "يعيش المزارع رحلة شاقة تمتد أكثر من 6 أشهر من العمل والمصاريف المستمرة على الفلاحة، التسميد، الري، المبيدات، والنقل وأجور العمال. لكن عند الحساب، يجد نفسه خاسراً بينما تذهب الأرباح للتجار ومصاريف التشغيل. فكيلوغرام العنب التصنيعي مثلاً (0.30 دولار) لا يغطي كلفة القطف والري، ما يدفع المزارعين الى قلع الأغراس واستبدالها بأصناف أخرى".
ولا يتوقف النزيف عند الزراعات التقليدية، بل يطاول حرف المنطقة وجرودها، من تقطير الورد في قصرنبا إلى مزارع الأسماك على العاصي، حيث يتراجع الإنتاج بفعل التكاليف وغياب التسويق.
في المقابل، تجد السلطات المحلية نفسها مكبلة بين مطالب الأهالي اليومية وغياب الموازنات التشغيلية.
ويؤكد رئيس بلدية بتدعي المحامي جان الفخري لـ "النهار" أن "البلديات لم تعد القوة المنفذة للتنمية، بل تحولت إلى مراكز إدارة أزمات بأدوات معدومة، الموازنات التي تصلنا من الصندوق البلدي المستقل فقدت أكثر من 90% من قيمتها الفعلية، ونحن نهتم اليوم بالحد الأدنى من جمع النفايات وتشغيل آبار المياه المتروكة.
فكيف نطلب من بلدية أن تبني بنية تحتية أو تدعم القطاعات الإنتاجية، وموازنتها لا تكفي لشراء المازوت والقطع البديلة لآلياتها؟".
هذا العجز الإداري يتزامن مع ضغوطٍ اجتماعية متزايدة، إذ تشير الباحثة والناشطة في المجتمع المدني الدكتورة زينب يوسف إلى أن نسبة البطالة بين الشباب البعلبكيين تجاوزت 55%، ما دفع مئات منهم نحو خيارات صعبة بين الهجرة الداخلية باتجاه العاصمة أو ركوب مخاطر اللجوء الخارجي.
على الخط الحدودي، بين مشاريع القاع والجرد الممتد نحو عرسال والهرمل، تتشابك الهواجس الأمنية بالمعيشية. أخيراً، كثف الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية من حضورهم الميداني لتثبيت النقاط الحدودية وإغلاق المعابر غير الشرعية.
إلا أن فاعليات محليّة تؤكد أن الأمن المستدام لا يكتمل إلا بالعدالة الإنمائية.وفي هذا السياق، يشدد رئيس بلدية الفاكهة - الجديدة، محبوب عون لـ "النهار" على أن "ضبط الحدود مطلوب لحماية أمن الوطن، لكن حماية أمن المواطن تبدأ من فتح قنوات التصدير الشرعي وتوفير البدائل الاقتصادية لأبناء القرى الحدودية، حين يجد الشاب فرصة عمل في أرضه ومصنعه، لن يفكر في خرق القانون أو الانجرار وراء الشبكات غير المشروعة".
وعلى رغم التحديات الميدانية والانسداد الاقتصادي، تظل بعلبك-الهرمل خزاناً إنسانياً واقتصادياً لا ينضب.
ففي أسواقها المحلية، وعلى ضفاف العاصي، وفي الحقول التي تحضر لمواسم القمح والكرمة، يستمر الأهالي في التمسك بأرضهم ومؤسساتهم.
منطقة بعلبك-الهرمل لا تبحث عن مسكنات موقتة، بل تنتظر استراتيجية وطنية شاملة تتعامل معها كإقليم اقتصادي وزراعي وسياحي قائم في ذاته، وتضع حداً لعزلتها التنموية لتبقى حاضرة في قلب الدولة ومؤسساتها.
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟