تتجه روسيا إلى انتخابات برلمانية تهيمن عليها حزب «روسيا الموحدة»، فيما تخوض تسعة أحزاب أخرى السباق، وجميعها تؤيد سياسات الرئيس فلاديمير بوتين بدرجات متفاوتة، بينما مُنع الحزب الوحيد المسجل الذي يعارض الحرب في أوكرانيا من خوض الانتخابات عبر القوائم الحزبية.
ويُتوقع أن تضمن غياب المعارضة الحقيقية استمرار سيطرة الكرملين على المشهد السياسي الروسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والهجمات الأوكرانية بطائرات مسيرة على مصافي النفط ومنشآت أخرى، ما جعل تداعيات الحرب أكثر حضورًا في الحياة اليومية للروس بعد أكثر من أربعة أعوام ونصف على اندلاعها.
ويريد الكرملين أن تشكل الانتخابات، وهي الأولى منذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا عام 2022، وسيلة لإظهار استمرار الدعم الشعبي للحرب ومنح سياسات الحكومة مظهرًا من الشرعية، مع الحد من أي مخاطر سياسية محتملة عبر التضييق على الأصوات المعارضة.
يبدأ التصويت يوم الجمعة ويستمر حتى الأحد، لاختيار أعضاء مجلس الدوما، الغرفة الأدنى في البرلمان الروسي، بالتزامن مع انتخابات محلية في أنحاء البلاد.
وينتخب الناخبون حكامًا في 11 منطقة، وأعضاء المجالس التشريعية في 39 منطقة. وتمتد عملية التصويت لثلاثة أيام بهدف زيادة المشاركة بين نحو 111 مليون ناخب مؤهل، مع السماح بالتصويت الإلكتروني، فيما تشمل العملية مناطق في أوكرانيا ضمتها روسيا بصورة غير قانونية.
ويضم مجلس الدوما 450 مقعدًا، يُنتخب نصفها عبر القوائم الحزبية والنصف الآخر في دوائر انتخابية فردية. ومن المتوقع أن تحتفظ «روسيا الموحدة» بأغلبيتها الكبيرة، إلى جانب استمرار حضور أحزاب «المعارضة النظامية» التي تصوت مع الحكومة في القضايا الرئيسية.
فاز حزب «روسيا الموحدة» بأكثر من ثلثي مقاعد مجلس الدوما في انتخابات 2021، ويُتوقع أن يواصل هيمنته على البرلمان.
وتضم قائمته الانتخابية شخصيات بارزة، من بينها وزير الخارجية سيرغي لافروف، البالغ 76 عامًا، وعمدة موسكو سيرغي سوبيانين، البالغ 68 عامًا.
ويأتي في المرتبة الثالثة مراسل الحرب يفغيني بودوبني، الذي أُصيب بجروح خطيرة في هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية.
ويتعهد أعضاء الحزب بدعم الحرب وأهداف بوتين في أوكرانيا. لكن سوبيانين، الذي يُنظر إليه باعتباره من البراغماتيين، رفض دعوات من الأصوات الأكثر تشددًا إلى تعبئة واسعة لقوات الاحتياط وتحويل الاقتصاد الروسي بالكامل إلى اقتصاد حرب، محذرًا من أن «تدمير الاقتصاد الطبيعي يعني تدمير البلاد بأكملها».
يُعد الحزب الشيوعي قوة رئيسية في البرلمان الروسي منذ تسعينيات القرن الماضي، ويقوده منذ أكثر من ثلاثة عقود غينادي زيوغانوف، البالغ 82 عامًا.
وعلى الرغم من انتقاده بعض سياسات الحكومة خلال حكم بوتين، تجنب الحزب توجيه انتقادات مباشرة للرئيس، كما يدعم الحرب في أوكرانيا.
وقال زيوغانوف مؤخرًا: «نلتزم بدقة بتوجيهات الرئيس بوتين»، خلال إشرافه على شحنة من الإمدادات العسكرية.
ويحاول الحزب، في الوقت نفسه، تعزيز حضوره على وسائل التواصل الاجتماعي لاستقطاب الناخبين الأصغر سنًا بدلًا من الاعتماد بشكل أساسي على قاعدته التقليدية من الناخبين الأكبر سنًا.
رغم اسمه، يُعد «الحزب الليبرالي الديمقراطي» قوة قومية متشددة، وله حضور في البرلمان منذ أوائل التسعينيات.
أسسه فلاديمير جيرينوفسكي، الذي كان معروفًا بخطابه القومي الحاد ودعوته إلى استعادة أراضٍ كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي، فضلًا عن تهديداته باستخدام الأسلحة النووية ضد خصوم روسيا.
وبعد وفاته عام 2022، تولى قيادة الحزب ليونيد سلوتسكي. ويدعم الحزب الحرب في أوكرانيا، ويضم في صفوفه عددًا من المحاربين القدامى، ومن بين مرشحيه تاجر الأسلحة السابق فيكتور بوت.
أما حزب «روسيا العادلة»، فيتبنى توجهًا اشتراكيًا ديمقراطيًا ويدعم الحرب، فيما تأسس حزب «الشعب الجديد» قبل انتخابات 2021 وقدم نفسه آنذاك كصوت ليبرالي يمثل الشباب والتكنوقراط.
وحصل «الشعب الجديد» على أكثر قليلًا من 5% من الأصوات في انتخابات 2021، لكنه تبنى لاحقًا سياسات بوتين، ما أثار خيبة أمل بين بعض مؤيديه.
وتشارك في الانتخابات أيضًا أحزاب أصغر، من بينها «شيوعيو روسيا»، و«حزب المتقاعدين»، و«حزب الخضر»، و«حزب الديمقراطية المباشرة»، و«حزب الوطن» القومي المتشدد.
وكان حزب «يابلوكو» الليبرالي هو الحزب السياسي المسجل الوحيد الذي يعارض الحرب، لكنه أُزيل من القوائم الانتخابية بقرار من المحكمة العليا في أغسطس.
وبررت المحكمة القرار، من بين أسباب أخرى، بأن موقف الحزب المناهض للحرب يمكن اعتباره سعيًا إلى انتهاك وحدة الأراضي الروسية. ومع ذلك، لا يزال للحزب مرشحون في بعض الدوائر الفردية.
وبذلك تدخل روسيا الانتخابات البرلمانية في ظل مشهد سياسي تهيمن عليه الأحزاب المؤيدة للكرملين، بينما تواجه القوى المعارضة للحرب قيودًا حالت دون مشاركتها الكاملة في السباق.