بعد تكريم سلفاكير لجندي إسرائيلي.. كيف دعمت إسرائيل انفصال جنوب السودان؟ تاريخ من العلاقات السرية والتدخلات العسكرية

أعاد التكريم الذي منحه رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت لأحد الجنود الإسرائيليين المشاركين في دعم الحركات الجنوبية المسلحة، فتح أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ السودان الحديث، وهو ملف العلاقة بين إسرائيل وحركات التمرد في جنوب السودان، والدور الذي لعبته تل أبيب في دعم تلك الحركات منذ ستينيات القرن الماضي حتى إعلان انفصال جنوب السودان في عام 2011.

ولم يقتصر الجدل الذي أثاره التكريم على رمزيته السياسية، بل أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة بشأن حجم الدعم الإسرائيلي للحركات الانفصالية، ومدى مساهمته في تغيير الخريطة السياسية للسودان، الذي كان أكبر دولة إفريقية من حيث المساحة قبل الانفصال.

ينظر مراقبون إلى تكريم سلفاكير للجندي الإسرائيلي باعتباره رسالة سياسية تتجاوز مجرد الاحتفاء بشخصية عسكرية، إذ يعكس اعترافًا بالعلاقات التي جمعت إسرائيل بالحركات الجنوبية منذ بدايات التمرد.

ويرى باحثون أن الخطوة تؤكد أن التعاون بين الطرفين لم يكن مجرد ادعاءات أو روايات متداولة، بل علاقة امتدت لعقود وشملت التدريب العسكري والدعم اللوجستي والاستخباراتي، وصولًا إلى مرحلة تأسيس دولة جنوب السودان.

تعود جذور التعاون إلى ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت إسرائيل في إقامة قنوات اتصال مع حركة "أنانيا"، أول تنظيم عسكري قاد التمرد في جنوب السودان.

وفي مذكراته، كشف القائد الجنوبي جوزيف لاقو أنه زار إسرائيل عام 1968، حيث التقى رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير، مؤكدًا أن الحركة تلقت دعمًا عسكريًا وماليًا ولوجستيًا مكّنها من مواصلة عملياتها ضد الحكومة السودانية.

وتشير شهادات تاريخية إلى أن هذا الدعم شمل التدريب العسكري، والأسلحة الخفيفة، وأجهزة الاتصالات، والأدوية، والزي العسكري، إضافة إلى تقديم المشورة في إدارة العمليات العسكرية.

وتتحدث وثائق ودراسات تاريخية عن الدور الذي لعبه المسؤول الإسرائيلي بن أوزيئيل في بناء العلاقات مع حركة "أنانيا"، حيث تولى تنسيق عمليات التدريب والدعم، وساهم في إنشاء قنوات اتصال مباشرة بين القيادات الجنوبية والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

ويرى مؤرخون أن هذه المرحلة شكلت الأساس الذي بنيت عليه العلاقات بين إسرائيل والحركة الشعبية لتحرير السودان في العقود اللاحقة.

يربط عدد من الباحثين الدعم الإسرائيلي لجنوب السودان بمجموعة من الأهداف الاستراتيجية، من أبرزها:

- تقليص نفوذ السودان باعتباره دولة عربية وإفريقية ذات موقع جغرافي مؤثر.- تعزيز الحضور الإسرائيلي في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.- إنشاء شراكات أمنية وسياسية مع دولة جديدة قريبة من منابع النيل.- توسيع النفوذ في منطقة البحر الأحمر ومحيطه.

ويرى محللون أن هذه الأهداف جاءت ضمن سياسة إسرائيلية أوسع لإقامة علاقات مع أطراف غير عربية في محيط الدول العربية.

لم تتوقف العلاقة عند حركة "أنانيا"، بل استمرت مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، حسب ما تناولته العديد من الدراسات الغربية والإفريقية.

وخلال سنوات الحرب الأهلية، تحدثت تقارير متعددة عن استمرار التعاون في مجالات التدريب والدعم اللوجستي، قبل أن تنتهي الحرب بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي منحت الجنوب حق تقرير المصير.

وفي يناير 2011 صوّت الجنوبيون بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال، ليعلن قيام جمهورية جنوب السودان رسميًا في يوليو من العام نفسه.

ورغم أهمية الدور الخارجي، يؤكد متخصصون في الشأن السوداني أن انفصال الجنوب لم يكن نتيجة التدخل الإسرائيلي وحده، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية امتدت لعقود.

فقد شهد السودان حربًا أهلية طويلة، وتوترات متكررة بين المركز والجنوب، إلى جانب إخفاقات سياسية في إدارة التنوع، وهو ما وفر بيئة ساعدت التدخلات الخارجية على تحقيق أهدافها.

يرى مراقبون أن توقيت تكريم الجندي الإسرائيلي يحمل دلالات تتجاوز البعد التاريخي، إذ يأتي في ظل متغيرات إقليمية متسارعة وإعادة رسم للتحالفات في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

كما يسلط الضوء على عمق العلاقات بين جوبا وتل أبيب، والتي تطورت بعد الاستقلال لتشمل التعاون في مجالات الأمن والزراعة والمياه والتكنولوجيا.

يبقى ملف العلاقات بين إسرائيل والحركات المسلحة في جنوب السودان أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ المنطقة، خاصة مع استمرار الجدل حول تأثير التدخلات الخارجية في النزاعات الداخلية وإعادة تشكيل الحدود السياسية في إفريقيا.

ويؤكد مراقبون أن فهم هذا التاريخ يظل ضروريًا لتحليل تطورات المشهد السوداني الراهن، خصوصًا مع استمرار الأزمات الأمنية والسياسية في السودان، وما تفرضه من تحديات على مستقبل الاستقرار الإقليمي.