بطالة كندا بنظر ترامب.. لنصغِ إلى الأرقام

يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتهام كندا بأنها تواجه أزمة بطالة متفاقمة، رابطاً ذلك بسياسات الهجرة التي تتبناها حكومة رئيس الوزراء مارك كارني. لكن أحدث البيانات الرسمية ترسم صورة أكثر تعقيداً. سوق العمل الكندي يواجه تباطؤاً واضحاً وضغوطاً مرتبطة بالتجارة والنمو، لكنه لا يقترب من معدل بطالة يبلغ 10%، كما ادعى ترامب، وأن الشركات تهرب إلى الولايات المتحدة بسبب «السياسات الفاشلة».البطالة عند 6.4%خسر الاقتصاد الكندي 42 ألف وظيفة في أغسطس/ آب، بانخفاض 0.2%، في أداء جاء أسوأ بكثير من توقعات السوق التي كانت تشير إلى إضافة نحو 15 ألف وظيفة. وتوزعت الخسائر على قطاعات خدمات الأعمال والبناء والدعم، والإدارة العامة، والموارد الطبيعية والمرافق. كما انخفض عدد موظفي القطاع العام بمقدار 20 ألف موظف (0.4%)، مسجلاً التراجع الشهري الثالث على التوالي، فيما سجل التصنيع زيادة بلغت 22 ألف وظيفة.مع ذلك، استقر معدل البطالة عند 6.4% في أغسطس، بعد تراجعه خلال الأشهر الثلاثة السابقة بإجمالي 0.5 نقطة مئوية. كما انخفض المعدل مقارنة بـ7.1% في أغسطس 2025، فيما بلغ عدد العاطلين نحو 1.5 مليون شخص.تباطؤ الهجرة والوظائفيقول جوزيف شتاينبرغ، أستاذ الاقتصاد في جامعة تورنتو، إن عدة عوامل قد تُسهم في فقدان الوظائف، بما في ذلك تباطؤ النمو السكاني في كندا.وتُظهر بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن عدد سكان البلاد بلغ 41.8 مليون نسمة، في الأول من يوليو/تموز 2026، بزيادة 189 ألفاً فقط، أو 0.5% على أساس سنوي، وهي أبطأ وتيرة نمو سنوية، منذ عام 1944، كما بلغ عدد المقيمين الدائمين المقبولين في عام 2025 حوالي 328 ألفاً، مقارنةً بـ419 ألف شخص في العام السابق.وتكشف هذه الأرقام أن العلاقة بين الهجرة وسوق العمل أكثر تعقيداً من تحميل الوافدين مسؤولية البطالة، فالنمو السكاني السريع يمكن أن يزيد حجم قوة العمل بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف، لكنه في المقابل يوفر للشركات عمالة، ويعوض جزءاً من آثار شيخوخة السكان.حرب التجارة تضغط على السوقالعامل الأكثر مباشرة في تفسير الضغوط الحالية لا يتعلق بالهجرة وحدها، بل بالتوتر التجاري مع الولايات المتحدة.وتشير بيانات هيئة الإحصاء الكندية صراحة إلى أن القطاعات المعتمدة على الطلب الأمريكي على الصادرات تواجه بيئة غير مؤكدة، تفاقمت مع فرض رسوم أمريكية جديدة على صادرات كندا. تأتي هذه التطورات وسط مساعٍ من حكومة كارني لتقليل الاعتماد الاقتصادي على السوق الأمريكية، عبر توسيع العلاقات التجارية مع أوروبا وغيرها. وفي سبتمبر/ أيلول، أشار كارني أمام البرلمان الأوروبي إلى ترحيب كندا بطرح تعميق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بحث فكرة أن تصبح كندا «أول عضو منتسب للاتحاد الأوروبي».اختلاف منهجيات المقارنةتبدو مقارنة البطالة الكندية بالأمريكية للوهلة الأولى بسيطة، 6.4% في كندا مقابل 4.1% في الولايات المتحدة خلال أغسطس، لكن المقارنة ليست متطابقة تماماً، إذ تختلف المنهجيات والسكان المشمولون في المسوح.كندا تبدأ قياس البطالة لمن تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر، بينما تبدأ الولايات المتحدة من سن 16 عاماً، كما توجد فروق في كيفية تعريف البحث عن عمل وتحديد من يدخل ضمن قوة العمل.وفي الولايات المتحدة، أضاف الاقتصاد 162 ألف وظيفة في أغسطس، واستقر معدل البطالة عند 4.1%. مع ذلك، فإن سوق العمل الأمريكي نفسه ليس عند مستويات ما قبل الجائحة؛ فقد بلغ متوسط البطالة 3.7% في 2019، قبل أن تعيد الجائحة تشكيل السوق.تواجه كندا بالفعل تحدياً اقتصادياً حقيقياً: نمو سكاني أبطأ، ضعفاً في بعض القطاعات، ارتفاعاً نسبياً في البطالة طويلة الأمد، وضغوطاً متزايدة من الحرب التجارية مع أكبر شريك اقتصادي لها، لكن قراءة هذه المؤشرات تقود إلى صورة مختلفة عن «أزمة بطالة بنسبة 10%». تمر البلاد بمرحلة تباطؤ وإعادة توازن في سوق العمل والاقتصاد، بينما يمثل الصراع التجاري مع الولايات المتحدة أحد أبرز مصادر المخاطر المقبلة. ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع محاولة أوتاوا تنويع علاقاتها التجارية وتقليل انكشافها على واشنطن.