منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 فبراير 2026، دخل الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما تحولت المواجهة العسكرية إلى أزمة مفتوحة امتدت تداعياتها إلى عدد من دول المنطقة، وأثرت على أمن الملاحة والطاقة وحركة التجارة، لتتجاوز آثارها أطراف الحرب وتصل إلى الاقتصاد والأسواق العالمية.
وبدأت المواجهة بهجوم أمريكي إسرائيلي واسع على إيران، أسفر عن مقتل عدد من كبار القادة والمسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي، قبل أن تتسع دائرة التصعيد وتدخل المنطقة في سلسلة من الضربات والردود المتبادلة، وسط تهديدات متواصلة للمصالح والقواعد والمنشآت المرتبطة بأطراف الصراع.
ومع استمرار الحرب لأكثر من ستة أشهر، ظلت تداعياتها حاضرة بقوة في المشهد الإقليمي، خصوصا مع اضطراب حركة الملاحة، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، لتتحول الحرب الإيرانية الأمريكية من مواجهة عسكرية مباشرة إلى أزمة تمس أمن الطاقة والتجارة الدولية.
ورغم استمرار المواجهة العسكرية وتعثر جولات التفاوض السابقة، لم تختف القنوات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، بل ظلت محاولات إبقاء مسار التفاوض قائما، فيما تؤكد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنها لا تزال تترك الباب مفتوحا أمام إمكانية التوصل إلى تسوية مع إيران.
وتظهر هذه المعادلة بوضوح مع انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث سمحت واشنطن للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي بدخول الولايات المتحدة والمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، رغم استمرار المواجهة العسكرية بين البلدين.
ووفق وزارة الخارجية الأمريكية، جاء السماح للوفد الإيراني الأساسي بالحضور اتساقا مع التزامات الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة للأمم المتحدة، مع فرض قيود على حركة أعضاء الوفد ومشترياتهم داخل الولايات المتحدة.
وهنا تتجاوز المسألة مجرد مشاركة وفد إيراني في اجتماعات الأمم المتحدة إلى أسئلة أوسع: لماذا يصر ترامب على إبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة مع طهران في ذروة الصراع؟، وهل تعكس مشاركة بزشكيان وعراقجي رغبة أمريكية في الحفاظ على قناة يمكن استخدامها للوصول إلى تسوية؟ وإلى أي مدى يرتبط ذلك أيضا بالصراع على السلطة والموارد داخل النظام الإيراني؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل التباين بين تعامل واشنطن مع المسؤولين الإيرانيين وموقفها من مشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومسؤولين فلسطينيين في اجتماعات الجمعية العامة، بما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لحسابات إدارة ترامب تجاه أطراف الصراع المختلفة.
وفي محاولة لفهم ما يجري داخل النظام الإيراني، وما الذي يدفع بعض مراكز القوة فيه إلى السعي نحو تسوية مع واشنطن، تحدثت "صدى البلد" مع باباك أميميان، عضو حزب المحافظين البريطاني والمتخصص في الشؤون الإيرانية، الذي قدم قراءة للصراع الداخلي بين مراكز النفوذ الإيرانية وعلاقته بمسار التفاوض مع الولايات المتحدة، ودلالات مشاركة الوفد الإيراني في اجتماعات الجمعية العامة.
يرى أميميان، أن قرار ترامب بالسماح للقيادة الإيرانية بالمشاركة في الجمعية العامة يجب قراءته في إطار رغبته في إبقاء التواصل مع الطرف داخل النظام الإيراني الذي يسعى إلى تسوية مع الولايات المتحدة.
ويقول أميميان، إن الرئيس الأمريكي "يبقي على التواصل مع المجموعة التي تريد التوصل إلى تسوية"، في إشارة إلى الحكومة والحرس الثوري، اللذين يرى أنهما يمتلكان مصلحة في إنهاء المواجهة وتحقيق قدر من الاستقرار داخل النظام.
وتأتي هذه الرؤية ضمن تقييم أوسع يقدمه أميميان لبنية السلطة الإيرانية خلال الحرب، إذ يرى أن النظام لم يعد يتحرك باعتباره كتلة واحدة، وإنما أصبح أمام مراكز قوى متعددة تتنافس على الموارد والنفوذ.
وبحسب تقييمه، تريد الحكومة والحرس الثوري الوصول إلى تسوية مع واشنطن، بينما تعارض نحو 40 مؤسسة دينية، إلى جانب الباسيج، التفاوض قبل معالجة أزمة التمويل ومنحها دورا في أي اتفاق.
ومن ثم، لا يرى أميميان حضور بزشكيان وعراقجي في نيويورك مجرد مشاركة بروتوكولية، وإنما جزءا من سياق أوسع يتعلق بوجود طرف داخل النظام الإيراني لا يزال يريد إبقاء باب التفاوض مفتوحا.
ورغم أن مسارات التفاوض السابقة لم تصل إلى اتفاق نهائي، فإنها كشفت، وفقا لتقارير أمريكية، عن اتصالات غير معلنة بين واشنطن وأطراف إيرانية مختلفة.
ومن بين هذه القنوات اتصالات مع قيادات في الحرس الثوري عبر رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، بعدما خلص مسؤولون أمريكيون إلى أن المفاوضين الإيرانيين ربما لا يملكون وحدهم القدرة على اتخاذ القرار النهائي داخل النظام.
ووفقا لتقرير "أكسيوس"، دعمت قيادة في الحرس الثوري التفاوض، لكن اجتماعا سريا مقترحا في أربيل لم ينعقد بسبب مخاوف أمنية إيرانية، فيما استمرت لاحقا رسائل الوساطة بين واشنطن وطهران عبر باكستان وقطر.
وبذلك، لم تعد المفاوضات مسارا واحدا بين حكومتين، بقدر ما أصبحت شبكة من الاتصالات والوسطاء والقنوات الخلفية، تعكس تعقيد مراكز القرار داخل إيران.
وتكتسب هذه القنوات أهمية خاصة في ظل استمرار الحرب، إذ إن فشلها في إنتاج اتفاق لا يعني بالضرورة توقفها، وإنما قد يجعلها أكثر أهمية في منع انقطاع الاتصال الكامل بين الطرفين.
تكشف هذه النقطة جانبا آخر من أهمية قنوات الاتصال بالنسبة إلى إدارة ترامب.
فبحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست"، خشيت الإدارة الأمريكية خلال الربيع من استهداف إسرائيل لكبار المفاوضين الإيرانيين، واتخذت واشنطن خطوات لإبلاغ طهران بهذه المخاوف، فيما قال مسؤولون أمريكيون إن قتل هؤلاء المسؤولين قد يؤدي إلى فقدان قنوات التواصل مع الجانب الإيراني.
وأشار التقرير إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف كانا من أبرز نقاط الاتصال مع الجانب الأمريكي خلال مساعي التوصل إلى وقف إطلاق النار وإطار لإنهاء الحرب.
كما نقل عن ترامب في مارس قوله إنه لا يريد الكشف عن هوية المسؤولين الإيرانيين الذين تتحدث إليهم واشنطن، خشية تعرضهم للقتل.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحا: في الوقت الذي تخوض فيه واشنطن حربا مفتوحة مع إيران، فإنها لا تريد بالضرورة إغلاق القنوات مع الشخصيات التي يمكنها التفاوض معها.
وعندما سئل أميميان عن التباين بين السماح للقيادة الإيرانية بالمشاركة في الجمعية العامة والمواقف الأمريكية تجاه أطراف أخرى، قدم تفسيرا أوسع لطريقة ترامب في إدارة السياسة الخارجية.
ويقول الخبير في ابشؤون الإيرانية، إن ترامب "يدير سياسته الخارجية دون تأثير من أي دولة"، لكنه قد يتوافق مع دول معينة إذا رأى أن ذلك يحقق مصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل.
ويضيف أن لكل حليف أو دولة "ديناميكيات وتوقيتات وأولويات مختلفة" في حسابات الرئيس الأمريكي، وأن الأمر في النهاية "نسبي ويتعلق باللحظة".
وبهذا المعنى، فإن السماح للوفد الإيراني بالحضور لا يعني، بحسب هذا التفسير، تغيرا في الموقف الأمريكي من طهران، ولا انتهاء الحرب أو الخلافات بين البلدين، وإنما يمكن أن يأتي ضمن أدوات متعددة تجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي والاتصالات السياسية.