يعيش المشهد السياسي في منطقة الخليج العربي على وقع تباينات دراماتيكية متسارعة، تلاحقت فصولها خلال فترة زمنية وجيزة لتربك المتابع العام، وتضعه أمام تساؤلات حائرة حول البوصلة الحقيقية للسياسة الدولية في المنطقة. فبينما كانت أجواء الهدنة ومذكرات التفاهم برعاية الوساطات الإقليمية توحي باقتراب قطار التهدئة، جاءت جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والبيان المشترك الصادر عن اجتماع المنامة الوزاري ثم الهجوم الجوي الأمريكي علي بعض المواقع الإيرانية بمنطقة خليج هرمز وتوعد إيران بالرد. ليعيدا لغة الخشونة والاشتراطات الصارمة إلى الواجهة. هذا التناقض الظاهري بين لغة السلام ولغة الردع، والتعارض الملحوظ داخل أروقة الإدارة الأمريكية نفسها، يفرض علينا تجاوز القراءات السطحية؛ لتفكيك أبعاد هذه الهندسة البراغماتية، وفهم كيف ولماذا تتباعد المواقف وتتشابك المصالح على حافة مضيق هرمز قبل أيام من استئناف مفاوضات الحسم الفنية.
أولاً: وزير الخارجية الأمريكي: جولة وبيان مفاجئان
اختتم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جولة خليجية يوم الخميس (25 يونيو 2026) بعقد اجتماع وزاري مع دول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة البحرينية المنامة، وصدر عنه بيان مشترك أغضب طهران ودفع الخارجية الإيرانية لوصفه بأنه بيان «استفزازي وغير مسؤول. أبرز ما جاء في البيان الخليجي الأمريكي المشترك:
1 - أكد الاجتماع على التزام واشنطن بأمن الخليج بعد الحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وتضمن عدة بنود:
* التصدي للتهديدات: شدد البيان على أن تحقيق السلام الدائم يتطلب مواجهة شاملة للصواريخ الباليستية الإيرانية، والطائرات المسيرة، ودعمها للميليشيات والوكلاء بالمنطقة .
* مضيق هرمز: رفض الجانبان فرض أي رسوم عبور، ضرائب، أو محاولات لفرض السيطرة العسكرية من قِبل إيران على المضيق، مع التأكيد على حرية الملاحة غير المشروطة.
* شرطية التجارة: أوضح البيان أن أي تجارة أو استثمار مستقبلي مع إيران بموجب «مذكرة التفاهم الأخيرة» سيكون مشروطاً وقابلاً للإلغاء، ومرهوناً بوقف سلوكها للاستقرار.
* نزع السلاح: دعا البيان لنزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية في غزة ولبنان (مثل حماس وحزب الله).
2 - الرد الإيراني الغاضب والتحذيرات الصادرة: أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً ردت فيه على الاجتماع:
* وصف البيان: اعتبرت المواقف الأمريكية الخليجية تدخلاً سافراً وموقفاً استفزازياً يعمق الانقسامات، مشيرة إلى أن الوجود العسكري الأمريكي هو المصدر الأساسي لانعدام الأمن.
* السيادة على هرمز: شددت طهران على أن مضيق هرمز يقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان، وأن إدارته ستتم بناءً على البند الخامس من مذكرة التفاهم الموقعة لإنهاء الحرب، وليس بالإملاءات الأمريكية.
* التحذير لدول الخليج: دعت إيران جيرانها العرب إلى «إعادة النظر في مواقفهم»، مذكّرة إياهم بأن أراضيهم استُخدمت من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل لشن ضربات ضدها خلال الحرب، وحذرتهم من الانجرار وراء «سباق تسلح خطير».
* رفض مصطلح «الوكلاء» :رفضت طهران وصف حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بـ»الوكلاء الإيرانيين»، واصفة إياها بحركات تحرر مشروعة.
يأتي هذا التصعيد الكلامي بالرغم من توقيع الولايات المتحدة وإيران على مذكرة تفاهم (إطار عمل) برعاية وساطة قطرية وباكستانية لوقف الحرب والبدء في مفاوضات مستمرة لمدة 60 يوماً. ويسعى وزير الخارجية الأمريكي من خلال جولته الحالية إلى طمأنة الحلفاء الخليجيين من أن واشنطن لن تقدم تنازلات مفرطة لطهران في الاتفاق النهائي.
ثانياً : تباين واضح في موقفي فانس وروبيو
هناك تباين واضح ظهر بين موقفي نائب الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية. يعود هذا التباين والتعارض إلى انقسام أيديولوجي عميق داخل الإدارة الأمريكية نفسها، حيث يمثل وزير الخارجية ماركو روبيو الجناح التقليدي المتشدد (الصقور) الحريص على حماية التحالفات الدولية، بينما يمثل نائب الرئيس جي دي فانس جناح «أمريكا أولاً» الانعزالي الذي يرفض توريط واشنطن في حروب الشرق الأوسط.
1 - عقيدة ماركو روبيو (جناح الصقور والالتزام بالتحالفات)
يرى روبيو أن هيبة الولايات المتحدة تعتمد على قوة تحالفاتها وإظهار الردع العسكري الحازم:
* طمأنة الحلفاء: يسعى روبيو إلى تبديد ما يدور من تنازلات أمريكية ودول الخليج في أي اتفاق نهائي مع إيران.
* الردع بالتشدد: يؤمن بأن الضغط الأقصى على طهران هو الوسيلة الوحيدة لإجبارها على تقديم تنازلات حقيقية في مفاوضات الـ60 يوماً.
* إرث الحزب الجمهوري: يمثل التيار الذي يرى في إيران تهديداً وجودياً للمصالح الأمريكية وحلفائها (بما في ذلك إسرائيل) يجب قمع طموحاته.
2 - عقيدة جي دي فانس (جناح الواقعية والانعزالية)
ينظر فانس إلى الشرق الأوسط من منظور التكلفة والعائد المباشر للمواطن الأمريكي، ويرفض الانجرار وراء صراعات لا تنتهي:
* تجنب الحروب الإقليمية: يعارض فانس بشدة أي تصعيد قد يجر القوات الأمريكية إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران لحماية إسرائيل.
* تقاسم الأعباء: يتبنى مبدأ «أمريكا أولاً»، ويرى أن على الدول الإقليمية الثرية الاعتماد على نفسها وتدبير أمنها.
* التركيز على الصين: يرى فانس أن التهديد الحقيقي والمصيري لأمريكا هو الصين، وأن استنزاف الموارد الأمريكية في الشرق الأوسط يخدم بكين مباشرة.
3 - الأهداف السياسية من وراء هذا التباين (توزيع الأدوار)
هذا التناقض الصارخ ليس عشوائياً، بل يمثل استراتيجية أمريكية مقصودة لإدارة المرحلة الحالية (مهلة الـ60 يوماً)، وتفسره أربعة أسباب رئيسية:
أ - لعبة «الشرطي الصالح والشرطي السيئ» (توزيع الأدوار)
تستخدم الإدارة الأمريكية هذا التباين كأداة ضغط مزدوجة: فانس (الشرطي الصالح لإيران / السيئ لإسرائيل): يرسل إشارات لطهران بأن واشنطن جادة في السلام ولا تريد حرباً، ليدفع إيران للالتزام بالهدنة، وفي نفس الوقت يلجم نتنياهو ويمنعه من تخريب الاتفاق.
روبيو (الشرطي السيئ لإيران): يذهب للخليج ليرسل رسالة لطهران مفادها: «إذا استغللتم الهدنة للتصعيد أو فرض شروطكم في مضيق هرمز، فإن خيار المواجهة والتحالف العسكري ما زال مطروحاً على الطاولة».
ب - طمأنة الحلفاء العرب لمنع التعاون مع الصين وروسيا
شعرت دول الخليج بقلق شديد بعد توقيع ترامب المفاجئ على مذكرة التفاهم مع إيران، واعتبرت ذلك تراجعاً أمريكياً. هنا جاء دور روبيو ليمتص هذا الغضب؛ فذهب شخصياً، وأن أي اتفاق نهائي سيكون مشروطاً بوقف سلوك إيران المزعزع للاستقرار.
جـ - رفع سقف المطالب قبل «الاتفاق النهائي»
مذكرة التفاهم الحالية هي مجرد «إطار عمل مؤقت» لوقف الحرب لمدة 60 يوماً، وتجري الآن مفاوضات شرسة خلف الكواليس لصياغة الاتفاق الدائم. تصريحات فانس تضمن عدم قيام إسرائيل بتفجير المفاوضات عسكرياً. بينما بيان روبيو يضمن عدم قيام إيران بفرض شروط مريحة لها (مثل فرض رسوم في مضيق هرمز أو رفض نزع سلاح وكلائها). واشنطن تريد دخول المفاوضات النهائية وهي في موقف قوة.