بتوقيع محمد بن راشد.. «الرسائل» صفحات تكتب ملامح وطن

كلمات القادة حين تخرج من القلب، مستندة إلى تاريخ طويل من العمل والمواقف والمسؤولية، تصبح في جوهرها وثائق إنسانية وسياسية، تحمل في طياتها ملامح وطن، وتكشف جانباً من فلسفة الحكم، وروح الدولة التي أسست نهضتها على الوفاء والثقة ووحدة الغاية، كلمات نلتمس فيها رؤية استراتيجية لبناء الإنسان، من مدرسة قيادية تصوغ فلسفة خاصة لمفهوم الدولة، والوطن، والمسؤولية.في هذا السياق، يأتي إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، للجزء الثاني من «علمتني الحياة»، الذي جاء تحت عنوان «الرسائل»، وفيه يفتح سموه قلبه وعقله في 26 رسالة موجهة إلى الأبناء، والأسرة، وفريق العمل، وأبناء الوطن، والعالم، تتجاوز فيه هذه الرسائل حدود المناسبة والكتاب، لتصبح نوعاً من العهد المكتوب بين جيل أسّس وبنى، وأجيال مقبلة ستتولى حمل الأمانة، رسائل عابرة للأجيال يخاطب فيها سموه الأرواح والعقول، في لحظة تكثيف لستة عقود من العمل العام، تحولت فيها التحديات إلى فرص، والأحلام إلى واقع ملموس، يراه العالم في دبي والإمارات.أهم أسرار التجربةيفتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الكتاب برسالة إلى أخيه وصديقه ورفيق دربه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ولعل ترتيب الرسائل هنا يحمل معنى يوازي مضمونها، والرسالة الأولى تكشف منذ بدايتها البوصلة التي تنتظم حولها بقية الكتاب، فالوطن أولاً، والشراكة في خدمته فوق كل اعتبار، والوفاء لرفيق الدرب جزء أصيل من أخلاق القيادة.وفي هذه الرسالة يتجلّى لنا أهم أسرار التجربة الإماراتية، وهي أن العلاقة بين قيادتها تتجاوز في مفهومها علاقة المواقع والمناصب، فهي علاقة تاريخ، وقيم، ومصير مشترك، وأن الاتحاد الذي تأسس قبل عقود لا يزال يعاد إنتاجه كل يوم، في صورة أخوّة بين القادة، وتكامل بين المؤسسات، وثقة بين القيادة والشعب.وفي اختيار هذه البداية، تأكيد أن قصة الإنجاز الإماراتي لم تكن قصة فرد، وإنما قصة قيادة تكاملت أدوارها، ورسخت نهجاً يقوم على وحدة الرؤية والغاية، وعلى امتداد المدرسة التي أسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في بناء دولة تجعل الإنسان أولاً، والوطن فوق كل اعتبار، كما تحمل الرسالة اعترافاً بما تمثله هذه العلاقة من وحدة مصير، ورؤية، ومسؤولية، علاقة تجاوزت حدود العمل الرسمي إلى معنى الرفقة في حمل أمانة وطن، والسير معاً في طريق صنعته قيم الآباء المؤسسين.الصدق الإنساني والرمزيةتأتي عبارات الرسالة محمّلة بقدر كبير من الصدق الإنساني، والرمزية الوطنية، حين يخاطب «بوراشد» أخاه «بوخالد» بقوله: «أنت روح الوطن.. وهنيئاً لنا أنت»، في تعبير يعكس صورة قائد يراه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد متماهياً مع وطنه، حاضراً في تفاصيله، وقريباً من إنسانه، وحاملاً لهمومه وتطلعاته، قائد له في كل ميدان بصمة سياسية وإنسانية خاصة، ولعل أجمل ما في هذه الرسالة أنها ترسم صورة لصاحب السمو رئيس الدولة، من موقع الأخوّة والرحلة المشتركة، نعم هي رسالة رجل دولة إلى رجل دولة، لكنها أيضاً رسالة أخ إلى أخ، ورفيق إلى رفيق، وشاهد على مرحلة إلى شريك في صناعتها.وبين الجميل والأجمل، عبّرت رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في ردّه إلى أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عن مشهد إماراتي بالغ الدلالة والأثر، كان عنوانه الأبرز الأخوّة، ومضمونه الوفاء، وجوهره الشراكة في صناعة المستقبل.شهادة قائد لقائدحين يقول صاحب السمو رئيس الدولة، مخاطباً أخاه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «أخي وصديقي ورفيق دربي وتاج راسي وعضيدي في السير على نهج زايد، بو راشد، كل إنجاز إماراتي أنت أساس فيه»، ندرك أننا أمام لغة محبة تستمد صدقها من مسيرة مشتركة امتدت سنوات طويلة، كان فيها الوطن دائماً هو المقصد، والإنسان هو الغاية، وراية الإمارات هي العنوان الأعلى الذي تلتقي تحته الإرادات والجهود.وفي عبارة «رفيق دربي» تختصر سنوات من العمل إلى جوار بعضهما بعضاً، بين تحديات تأسيس المستقبل، وتسارع تحولات المنطقة والعالم، وانتقال الإمارات من مرحلة بناء الدولة إلى مرحلة صناعة نموذج عالمي في التنمية، والإدارة، والاقتصاد، والتسامح، والابتكار.وحين يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد: «كل إنجاز إماراتي أنت أساس فيه»، فهذه شهادة قائد لقائد، وشهادة لمرحلة كاملة، ارتبط فيها اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بثقافة الإنجاز، وتسريع العمل الحكومي، وترسيخ مفاهيم التميز والتنافسية، وتحويل الأحلام الكبرى إلى مشاريع ومؤسسات، وواقع يراه العالم، مرحلة كان سموه حاضراً فيها بفكر لا يعرف السكون، ولا يقبل بأن يكون المستحيل سقفاً للطموح.