.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
في تجربة ليوم واحد، انتقل محمد إبراهيم من مقاعد الدراسة في مدرسة «بسمة أمل» لتعليم المكفوفين وضعاف البصر إلى العمل مراسلاً، واختار أن تكون أولى حكاياته عن مدرسته وزملائه.
«حلمي أن أصبح صحافياً». قالها محمد إبراهيم، الطالب الكفيف في مدرسة "بسمة أمل" لتعليم وتأهيل المكفوفين وضعاف البصر في سوريا، قبل أن تتحول أمنيته إلى تجربة حقيقية عندما منحته "النهار" فرصة ليكون مراسلها ليوم واحد.
A post shared by Annahar Al Arabi (@annaharar)
حمل محمد قلمه، وبدأ يطرح الأسئلة ويبحث عن مواضيع لتغطيتها. لكنه لم يختر موضوعاً بعيداً عنه، بل عاد إلى مدرسته في دمشق، حيث وجد أن وراء جدرانها حكاية نحو 150 طالباً وطالبة من المكفوفين وضعاف البصر.
هؤلاء الطلاب لا يواجهون تحديات التعليم وحدها، بل الفقر وغلاء المحروقات وبعد المسافات أيضاً، في وقت يحتاجون فيه إلى رعاية وتعليم مضاعفين.
يضم معهد «بسمة أمل» نحو 150 طالباً وطالبة، تتراوح أعمارهم ما بين 6 و27 عاماً، ويستقبل طلاباً من مختلف مناطق دمشق وريفها، مقدماً خدماته التعليمية والاجتماعية مجاناً، بالاعتماد على تبرعات أهل الخير والجمعيات الخيرية.
وبحسب إدارة المعهد، يعيش نحو 87 في المئة من الطلاب تحت مستوى الفقر. وتأتي النسبة الكبرى منهم من ريف دمشق الشرقيّ، وبينهم طلاب من دوما وحرّان العواميد، بينما يقع المعهد في ضاحية قدسيا، في أقصى غرب ريف دمشق.
هذا البعد الجغرافي يجعل الوصول إلى المدرسة مكلفاً وشاقاً على الطلاب وأسرهم. ومع ارتفاع أسعار المحروقات وأجور النقل، اضطرت إدارة المعهد إلى تقليص الدوام من خمسة أيام إلى ثلاثة أيام أسبوعياً.
وزاد القرار العبء على الطلاب والمدرسين، وفرض تكثيف المناهج والدروس، فيما المعهد يعتد على التسجيلات الصوتية والمجموعات التعليمية عبر الإنترنت لتعويض جزء من الساعات الدراسية المفقودة.
وتأمل إدارة «بسمة أمل» في تأمين دعم يسمح بإعادة الدوام إلى خمسة أيام أسبوعياً، وتأمين وسائل نقل للطلاب الذين يقطع بعضهم مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة.
لا تتوقف الصعوبات عند النقل. فموقع المعهد في منطقة جبلية يجعل الشتاء أكثر قسوة، فيما يأتي عدد من الطلاب من أسر شديدة الفقر، بملابس لا تقيهم البرد، ما يجعل تأمين المحروقات للتدفئة حاجة أساسية.
وتشكل طابعة «بريل» تحدياً آخر. فالطلاب يعتمدون عليها للحصول على المناهج والأوراق التعليمية، لكنها تحتاج إلى طاقة كهربائية كبيرة، ما دفع إدارة المعهد إلى تشغيلها بوساطة مولّدة، رغم ارتفاع تكاليف المحروقات والتشغيل.
ولا يقتصر دور المعهد على التعليم، إذ يقدم لطلابه مستلزمات دراسية وشخصية، ووجبات غذائية ومساعدات موسمية، إضافة إلى خدمات طبية عبر جمعية «لمسة شفا» الخيرية.
لم يؤثر تقليص الدوام على ساعات الدراسة فقط، بل طال جانباً آخر من حياة الأطفال: الترفيه.
فمع تقليص أيام الدوام، تراجعت الأنشطة الترفيهية، وخسر الأطفال مساحة مهمة للّعب والتفاعل مع زملائهم. وهكذا أصبح غلاء المحروقات يؤثر في تفاصيل الحياة المدرسية، من الوصول إلى المدرسة إلى المشاركة في الأنشطة التي تمنح الأطفال مساحة للفرح والتواصل.
وتحتاج «بسمة أمل» اليوم إلى دعم لتأمين وسائل نقل الطلاب، والمحروقات للتدفئة وتشغيل الطابعات والأجهزة، ومنظومة طاقة شمسية، وتأهيل باحة المدرسة، وتوفير أجهزة إلكترونية لطابعات «بريل»، إضافة إلى تحسين أجور المدرسين.
في تجربة محمد إبراهيم، لم يكن الطالب الكفيف مجرد مراسل ليوم واحد. كان صوتاً لزملائه، وحاول أن ينقل قصتهم من داخل المدرسة إلى صفحات «النهار».
اختار محمد أن تكون أولى خطواته في المهنة التي يحلم بها من المكان الذي ساهم في بناء مستقبله. حمل قلمه، وسأل وبحث ونقل تفاصيل حياة طلاب يواجهون الفقر والبرد وبعد المسافة، لكنهم يتمسكون بالتعليم ويحمل كل منهم حلماً بمستقبل أفضل.
محمد لا يرى بعينيه، لكنه اختار الصحافة ليُري الآخرين ما قد لا يرونه.
وربما أجمل ما في حكايته أن الأحلام لا تحتاج دائماً إلى عينين لتُرى، بل إلى قلب يؤمن بها وإرادة تدفع صاحبها.