بالفيديو – اختبأ خلف جدار 13 عاماً هرباً من الأسد… محمد زكور يروي لـ”النهار” قصة “مخبئه”

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

كان زكور قد اعتُقل سابقاً لدى الأمن السياسي، ويقول إنه شاهد التعذيب ومقتل معتقلين أمامه. وبعد خروجه، عادت الأجهزة إلى ملاحقته، حتى تلقى اتصالاً من ابن عمه: "الأمن بدو ياك... أهرب".

حينما قرر الهرب من أجهزة الأمن والمخابرات التابعة لنظام بشار الأسد في سوريا، لم يكن محمد زكور مختبئاً في كهف أو مكان بعيد عن الناس، بل كان يعيش داخل منزله، خلف جدار بناه بيديه، بعدما دفعه خوفه من ملاحقة الأجهزة الأمنية إلى اختيار أصعب مكان للاختباء: جدار داخل بيته.

A post shared by Annahar Al Arabi (@annaharar)

كان زكور قد اعتُقل سابقاً لدى الأمن السياسي، ويقول إنه شاهد التعذيب ومقتل معتقلين أمامه. وبعد خروجه، عادت الأجهزة إلى ملاحقته، حتى تلقى اتصالاً من ابن عمه: "الأمن بدو ياك... أهرب".

تنقّل بين أماكن عدة، لكن أحداً لم يعد يجرؤ على إخفائه خوفاً من بطش النظام. وفي منزل جده، كان هناك بناء دفع زكور إلى تذكر قصة شخص عراقي اختبأ خلف جدار في منزله لسنوات طوال.

اتصل بزوجته صفية مصري وطلب منها شراء 100 بلوك من الحجارة وكيس إسمنت وخمسة أكياس رمل. وبذلك، بنى الجدار واختبأ داخله. ومنذ ذلك اليوم بدأت حياة سرية استمرت 13 عاماً.

كان أولاده أطفالاً، لكنهم لم يعرفوا أن والدهم حي. اتفق زكور مع زوجته على نشر إشاعة وفاته، وكسر شريحة هاتفه، بينما عادت هي إلى المنزل لتعيش فيه وتمنع إثارة الشكوك.

كانت الغرفة التي يختبئ فيها ممنوعة على الأطفال. أما الزوجة، فكانت تأتيه بالطعام والماء، وتتحمل وحدها عبء حماية السر.

داخل الجدار، لم يكن هناك شيء يشبه الحياة الطبيعية. كان زكور يقضي حاجته في كيس وقنينة، ثم تأتي زوجته وتأخذهما. أما الاستحمام، فكان بطنجرة ماء ساخن وقطع من الصوف، بينما تشغّل زوجته الموسيقى حتى لا يسمع أحد صوت الماء.

حتى المرض كان يحتاج إلى خدعة. فإذا شعر بالألم، كانت زوجته تذهب إلى الطبيب وتشرح أعراضه بدلاً منه.

ترك الاختباء الطويل آثاراً قاسية على جسده. يقول زكور إنه تناول خلال سنواته خلف الجدار ما يقدّره بنحو 10 آلاف علبة "بريفن" لمواجهة الألم.

تدهورت أسنانه وتعفنت، ثم بدأت تتساقط واحدة تلو الأخرى حتى فقدها، ويقول إنه كان يضطر إلى خلع بعضها بيده بعدما تهالكت.

كان الألم جزءاً من حياته اليومية، كما كان الصمت والخوف جزءاً منها.

لم تكن زوجته تخفي سر زوجها فقط، بل كانت تربي أبناءها على الاعتقاد أنه مات. تقول: "أخذت دور امرأة ورجل... لازم كون جبارة". كان أكبر أبنائها في سن صغيرة، وكلما كبر الأولاد كبر سؤالهم عن والدهم. وكانت تقول لهم: "ترحموا عليه"، بينما تخفي الحقيقة عنهم وتتحمل ألمها وحدها.

كانت الجارة زكية جوني قد ساعدت زكور في بداية هروبه. وبعد ذلك، اعتقلها الأمن السياسي وحقق معها لمعرفة مكانه.

تقول إنها أنكرت معرفتها بمكانه، وتعرضت للضرب بالكابل أثناء التحقيق. كانت تعرف أن كشف مكانه قد يعني وقوعه في أيدي الأمن.

جاء يوم التحرير. سمع زكور أصوات التكبير، بينما خرجت زوجته وأولاده إلى الشارع. كان الابن الأكبر زكريا يعتقد أن والده مات، وقال: "الله يرحم أبي". لكن والدته فاجأته: "أبوك هون". لم يصدقها، وظن أن الصدمة أفقدتها عقلها. ثم قالت له: "حرّك الثلاجة". حرّك زكريا الثلاجة، فظهرت الحقيقة وكان والده هناك.

الرجل الذي عاش 13 عاماً "ميتاً" أمام أولاده كان حياً، مختبئاً خلف الجدار. يقول زكور: "أولادي صاروا شباب قدامي". خرج من مخبئه ليجد أبناءه الذين تركهم أطفالاً وقد أصبحوا شباباً. أما زوجته، التي عاشت معه كل تلك السنوات خلف السر، فقالت له في لحظة التحرير: "ربك فرجها عليك... إنت صرت حر".