بالأرقام والتشريعات: هذه الدول وقفت في وجه “العاصفة الرقمية” لحماية أطفالها

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

عندما اتخذت أستراليا قرارها بحظر استخدام منصّات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، كانت تدرك أنّ الخطوة لا تأتي في إطار العقاب، بل في سياق الوقاية وحماية القاصرين في مرحلة عمرية شديدة الحساسية. فقد اختارت أستراليا أن تخوض مواجهة مبكرة مع عالم رقمي يتوسّع بلا ضوابط، لتصبح أول دولة تخرج عن المألوف في فضاء افتراضي بات يفرض إيقاعه بقوة على الحياة اليومية.

هذا العالم، الذي تحكمه سباقات المشاهدات والأرقام و"الترند"، غالباً ما يتجاهل الكلفة النفسية الباهظة لهذا الإدمان الإلكتروني، ولا سيّما على الأطفال والمراهقين، بوصفهم الفئات الأكثر هشاشة وتأثراً. ومن هنا، لم يأتِ القرار الأسترالي معزولاً، بل فتح الباب أمام موجة متصاعدة من الأصوات والتحرّكات الدولية التي دقّت ناقوس الخطر، مطالبة بحظر أو تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سن مبكرة.

هكذا كرّت السبحة تباعاً مع دول أخرى التحقت بمسار أستراليا أو بدأت تسير على النهج نفسه، مدفوعة بنتائج دراسات متزايدة تربط بين الاستخدام المبكر والمفرط لهذه المنصّات وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والعزلة النفسية وحتى الانتحار.

طفل يستخدم هاتفا خليويا (18 شباط 2023- Sanket Mishra- Unsplash)

منذ 10 كانون الأول، بدأت أستراليا تطبيق القانون الذي يمنع الأطفال والمراهقين دون 16 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل "إنستغرام" و"يوتيوب" و"سناب شات" و"تيك توك". ونتيجة هذا الإجراء، ألغت المنصّات نحو 4.7 ملايين حساب لمراهقين، بعد شهر واحد ‍فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً. في المقابل، تواجه الشركات التي لا تلتزم بأحكام القانون غرامات مالية قد تصل إلى 49.5 مليون دولار.

وفي كانون الثاني 2026، حذت فرنسا حذو أستراليا، بإقرار قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون 15 عاماً، إلى جانب منع الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية. وصوّت البرلمان الفرنسي بأغلبية على التشريع، على أن يُحال النص على مجلس الشيوخ قبل دخوله حيّز التنفيذ.

واعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنّ إقرار هذا القانون "خطوة كبيرة" في مسار حماية الأطفال والمراهقين، مؤكداً أن "مشاعر أطفالنا ومراهقينا ليست سلعة للبيع أو للتلاعب"، لا من المنصّات الرقمية ولا عبر خوارزمياتها.

بدأت هذه الإجراءات كتجارب محدودة في دول مثل أستراليا وفرنسا، لكنها ما لبثت أن تحوّلت إلى مسار عالمي آخذ في الاتساع بوتيرة متسارعة. ففي الوقت الذي يراهن فيه البعض على التوعية والرقابة الأسرية، تميل حكومات متزايدة إلى اعتبار التشريعات الملزمة الأداة الأكثر فاعلية لإجبار شركات التكنولوجيا على تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه الأطفال والمراهقين.

وسائل تواصل اجتماعي أقل (صورة تعبيرية- Jon Tyson- Unsplash- نيسان 2024)

وتعزّز هذا التوجّه معطيات مقلقة كشفتها تقارير دولية حديثة، إذ أظهر تقرير صادر عام 2024 عن معهد "تشايلدلايت" العالمي لسلامة الأطفال، التابع لجامعة إدنبرة في إسكتلندا، أن أكثر من 300 مليون طفل حول العالم يقعون سنوياً ضحايا للاستغلال والاعتداء الجنسي عبر الإنترنت.

وبيّن التقرير أن المواد الإباحية طالت نحو 20 في المئة من الأطفال في أوروبا الغربية، فيما تعرّض 12.5 في المئة من الأطفال عالمياً لتفاعلات جنسية غير مرغوب فيها عبر الفضاء الرقمي خلال عام 2023، ما يسلّط الضوء على حجم المخاطر التي يواجهها القاصرون في العالم الافتراضي.

ما أقدمت عليه فرنسا وسبقَت إليه أستراليا، شكّل حافزاً لدول أخرى للسير في الاتجاه نفسه، وفي مقدّمها مصر التي بدأت بدورها خطوات جدّية لدخول هذا المسار الوقائي، إذ يدرس البرلمان المصري حالياً إعداد تشريع خاص يهدف إلى تنظيم استخدام الأطفال والمراهقين لمنصّات التواصل الاجتماعي، على غرار التجارب المعتمدة في عدد من الدول الغربية.

ويُفترض أن يتضمّن مشروع القانون، الذي لا يزال قيد الإعداد، فرض غرامات مالية مشدّدة على المنصّات العالمية التي تتساهل في تطبيق الضوابط العمرية، إلى جانب إلزامها باعتماد آليات موثوقة وفعّالة للتحقّق من أعمار المستخدمين، بما يحدّ من وصول القاصرين إلى هذه الخدمات الرقمية.

طفل يستخدم هاتفا خليويا (9 نيسان 2025- wu yi- Unsplash)

وأفاد تقرير صادر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بأن نحو نصف الأطفال والمراهقين في مصر يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة بلغت 49.8%، مقابل 50.2% لا يلجؤون إليها، وهو مؤشر على انتشار واسع لهذه المنصات يثير مخاوف متزايدة لدى الأسر والجهات الرسمية على حدّ سواء.

وأظهر تقرير صادر عن منصة "تيك توك" منتصف يناير (كانون الثاني) الجاري، إزالة أكثر من 3.02 ملايين فيديو خلال الربع الثالث من عام 2025 في مصر لمخالفتها إرشادات المجتمع. أما على صعيد البث المباشر فحظرت "تيك توك" 197.88 ألف مضيف بث مباشر، وأوقفت 834.24 ألف بث مباشر لمخالفة سياسات المنصة.

تعديل سن الرشد الرقمي؟في خضم هذا التحوّل، تتجه الأنظار إلى السنوات المقبلة بوصفها مرحلة مفصلية قد تعيد رسم حدود ما يُعرف بـ"سن الرشد الرقمي"، سعياً إلى إيجاد معادلة دقيقة تضمن استفادة القاصرين من التكنولوجيا، من دون تعريضهم لمخاطرها المتفاقمة.

في بريطانيا، صوّت مجلس اللوردات البريطاني لصالح إدراج بند يقضي بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً، ما يزيد من الضغوط على الحكومة البريطانية لإصدار الحظر، فيما توصلت الدنمارك إلى اتفاق يقضي بحظر دخول الأطفال دون 15 عاماً إلى بعض منصات التواصل الاجتماعي في خطوة قد تتحوّل إلى قانون نافذ بحلول منتصف عام 2026. وبحسب المقترح الدنماركي، يُمنح بعض الآباء حق الموافقة باستخدام هذه المنصات ابتداءً من عمر 13 عاماً.

أما في إسبانيا، فيدرس البرلمان مشروع قانون يمنع الأطفال دون سن السادسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، أو أي مساحة افتراضية تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي، ما لم يحصلوا على موافقة صريحة من الأهل.

وفي حالات أخرى، يحدد مشروع القانون الحد الأدنى للعمر بـ14 عاماً، بهدف الحد من المخاطر المرتبطة بالتعرّض المبكر للمحتوى غير اللائق، والتنمر الإلكتروني، والاستغلال الرقمي للبيانات الشخصية، من دون أن يوضح النص طبيعة هذه الحالات أو معاييرها بدقة.

طفلة تستخدم هاتفا خليويا (26 ايلول 2025- Vitaly Gariev- Unsplash)

كذلك، يدرس البرلمان الإيطالي مشروع قانون يفرض قيوداً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون 15 عاماً. يشترط مشروع القانون على هذه المنصات التحقق من عمر المستخدمين عبر ما يُعرف بـ"المحفظة الوطنية الرقمية"، وهي وسيلة للتحقق من الهوية مرتبطة بالنظام الأوروبي المزمع لتأكيد الأعمار.

في موازاة ذلك، يدرس البرلمان الألماني فرض حظر شامل على الأطفال دون السن القانونية دون استنثاء أي منهم حتى لو حصل على موافقة والديه. وكلفت الحكومة لجنة لدراسة إمكانية تطبيق حظر مماثل في ألمانيا، بالإضافة إلى تقييم تأثير وسائل التواصل على المراهقين بشكل أوسع.