بالأرقام .. كيف ردت الدولة على شائعات إهمال الصناعة ودعمت الإنتاج والتصدير؟

لم تعد قضية تطوير الصناعة المصرية مرتبطة فقط بإنشاء مصنع أو طرح قطعة أرض، وإنما أصبحت جزءًا من تصور أوسع لإعادة بناء البنية الأساسية اللازمة للإنتاج، وتوفير الأراضي الصناعية المرفقة، وإنشاء المجمعات والمدن الصناعية، وربط مناطق الإنتاج بشبكات الطرق والموانئ والخدمات اللوجستية، بالتوازي مع إجراءات تستهدف زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات.

وخلال السنوات الماضية، ظهرت على فترات روايات وشائعات حاولت تصوير الإنفاق على مشروعات البنية الأساسية باعتباره إنفاقًا منفصلًا عن احتياجات الصناعة، أو الادعاء بأن الدولة أهملت المصانع لصالح الطرق والكباري، أو أن الأراضي الصناعية غير متاحة للمستثمرين. لكن قراءة البيانات الرسمية حتى عام 2026 تكشف صورة أكثر تعقيدًا؛ فالطرق والكباري والموانئ لم تكن مشروعات منفصلة عن النشاط الصناعي، بل تمثل في الأساس جزءًا من البنية اللوجستية التي تحتاجها المصانع لنقل الخامات والمنتجات والوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية. كما أن الدولة نفذت في الوقت نفسه توسعًا كبيرًا في المناطق والمجمعات والأراضي الصناعية.

من أبرز الأفكار التي تكررت خلال السنوات الماضية القول إن الأموال التي كان يمكن توجيهها للمصانع ذهبت إلى الطرق والكباري. وهذه المقارنة تتجاهل طبيعة الاقتصاد الصناعي؛ فالمصنع لا يعمل بمعزل عن شبكة النقل والموانئ والمناطق اللوجستية.

وتشير البيانات الحكومية إلى أن خطة تطوير منظومة النقل خلال الفترة من 2014 إلى 2026 تضمنت استثمارات تجاوزت تريليوني جنيه في الطرق والكباري والسكك الحديدية والأنفاق والجر الكهربائي والموانئ والمناطق اللوجستية والنقل النهري. وكان من أهداف مشروعات الطرق خفض زمن الرحلات وتكلفة التشغيل وزيادة حجم المنقول من البضائع، وربط مناطق الإنتاج والأسواق ومناطق التعدين والتنمية الجديدة.

وبالتالي، فإن السؤال الأدق ليس: هل أنفقت الدولة على الطرق أم المصانع؟ وإنما: هل جرى تطوير البنية الأساسية المحيطة بالنشاط الصناعي بالتوازي مع التوسع في الأراضي والمناطق والمجمعات الصناعية؟ والبيانات الرسمية تشير إلى أن الإجابة هي نعم، مع استمرار وجود تحديات تحتاج إلى معالجة.

تكشف الأرقام عن اتساع واضح في خريطة المناطق الصناعية المصرية. فوفق أحدث البيانات الحكومية، ارتفع عدد المناطق الصناعية من 121 منطقة عام 2014 إلى 157 منطقة عام 2026، بزيادة قدرها 36 منطقة صناعية جديدة.

وبالتوازي، توسعت الدولة في إنشاء المجمعات الصناعية لتوفير وحدات جاهزة أمام المستثمرين، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وبلغ عدد المجمعات الصناعية 16 مجمعًا في 15 محافظة، تضم 4808 وحدات صناعية، تم تخصيص 3696 وحدة منها، بما يوفر نحو 48 ألف فرصة عمل.

وهذه الأرقام مهمة في الرد على مقولة عدم وجود بنية صناعية جديدة؛ لأن التوسع لم يقتصر على تخصيص الأراضي، وإنما شمل وحدات إنتاجية مجهزة بالمرافق والخدمات، بما يقلل جزءًا من الوقت والتكلفة اللازمين لبدء النشاط.

كما شهدت السنوات الماضية إنشاء مدن ومناطق صناعية متخصصة، من بينها مدينة الجلود بالروبيكي، ومدينة الأثاث بدمياط الجديدة، ومدينة الرخام بالجلالة، ومدينة الدواء، إلى جانب مشروعات متخصصة في قطاعات الغزل والنسيج وغيرها.

كان ملف الأراضي الصناعية أحد أكثر الملفات التي واجهت انتقادات خلال سنوات طويلة، بسبب إجراءات التخصيص وطول فترة الحصول على الأرض والمرافق.

لكن الدولة اتجهت إلى تغيير آلية التعامل مع الملف من خلال منصة «مصر الصناعية الرقمية»، التي أطلقتها وزارة الصناعة في سبتمبر 2024، لتقديم خدمات تخصيص الأراضي الصناعية والتراخيص وبيان الصلاحية والسجل الصناعي والمتابعة السنوية، إلى جانب الدفع الإلكتروني.

وفي فبراير 2025، طرحت وزارة الصناعة 2172 قطعة أرض صناعية كاملة المرافق في 22 محافظة، بإجمالي مساحة بلغت 13.3 مليون متر مربع، بهدف تسريع إقامة المشروعات وزيادة الإنتاج المحلي.

ثم جاء الطرح العاشر في يونيو 2025 ليشمل 1800 قطعة أرض صناعية كاملة المرافق في 20 محافظة، بمساحة إجمالية تتجاوز 9 ملايين متر مربع.

وفي فبراير 2026، أعلنت الوزارة طرح 1272 قطعة أرض صناعية كاملة المرافق، بإجمالي مساحة تقدر بنحو 9.78 مليون متر مربع، موزعة على 35 منطقة صناعية في 23 محافظة.

وتكشف هذه الأرقام أن مسار إتاحة الأراضي أصبح عملية دورية وليست طرحًا استثنائيًا، مع الاعتماد بصورة أكبر على المنصة الرقمية في استقبال طلبات المستثمرين وفحصها وتخصيص الأراضي.

ومن أكثر النقاط التي يتم تجاهلها عند تقييم الاستثمار الصناعي تكلفة المرافق. فوجود قطعة أرض لا يعني بالضرورة أنها صالحة فورًا لإقامة مصنع، إذ تحتاج المناطق الصناعية إلى شبكات كهرباء ومياه وصرف صحي وطرق داخلية وغيرها من البنية الأساسية.

ولهذا عقدت الحكومة اجتماعات متخصصة لمتابعة ترفيق المناطق الصناعية، وتدبير الاعتمادات المالية المطلوبة لاستكمال ورفع كفاءة المرافق، بما يخدم التنمية الصناعية. وشملت المتابعة مناطق ومدنًا صناعية مثل أكتوبر الجديدة والعلمين الجديدة والسادات وبرج العرب الجديدة والعاشر من رمضان.

وهنا تظهر حقيقة مهمة: جزء كبير من الإنفاق العام الذي يسبق ظهور المصنع أمام المواطن يتمثل في البنية الأساسية التي تجعل الاستثمار الصناعي ممكنًا أصلًا.

لا يمكن تقييم جهود الدولة في الصناعة من خلال عدد المصانع والأراضي فقط؛ فالمؤشر الأهم هو انعكاس هذه الاستثمارات على الإنتاج والصادرات.

ووفق أحدث مؤشرات التجارة الخارجية لعام 2025، ارتفعت الصادرات المصرية غير البترولية إلى 48.567 مليار دولار مقابل 41.507 مليار دولار في 2024، بزيادة 17%.

وفي المقابل، ارتفعت الواردات إلى 83.014 مليار دولار مقابل 79.376 مليار دولار، بزيادة 5%، بينما انخفض عجز الميزان التجاري إلى 34.447 مليار دولار مقابل 37.869 مليار دولار في 2024، بتراجع قدره 9%.

وتصدر قطاع مواد البناء قائمة القطاعات التصديرية بقيمة 14.88 مليار دولار، يليه قطاع الصناعات الكيماوية والأسمدة بنحو 9.419 مليار دولار، ثم الصناعات الغذائية بـ6.803 مليار دولار، والسلع الهندسية والإلكترونية بـ6.468 مليار دولار، والحاصلات الزراعية بـ4.692 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الحديث عن توطين الصناعة لا يقتصر على شعارات أو إنشاء منشآت، بل يرتبط أيضًا بقدرة المنتجات المصرية على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

لم يتوقف التحرك الحكومي عند الأرض والمصنع، وإنما امتد إلى دعم القدرة التصديرية.

ففي يوليو 2026، أعلنت وزارة المالية أن مخصصات رد الأعباء التصديرية ومساندة المصدرين في الموازنة الحالية بلغت 48 مليار جنيه، بينما وصل دعم الصادرات خلال العام المالي 2025/2026 إلى 28 مليار جنيه، بمعدل نمو سنوي 55%.

وهذا يعني أن الدولة تتعامل مع الصناعة باعتبارها سلسلة متكاملة تبدأ من الأرض والمرافق، مرورًا بالإنتاج والتمويل، وتنتهي بالأسواق والتصدير.