باريس على فوهة الغضب.. 70 ألف شرطي في مواجهة الشارع

تستعد فرنسا لسبت احتجاجي جديد، فيما تتسع رقعة الغضب الاجتماعي وتزداد المخاوف من انتقال التوتر إلى مواجهات في الشوارع، فبعد أسابيع من التحركات الطلابية والإضرابات العمالية على خلفية غلاء المعيشة وتراجع الخدمات، تعود النقابات والطلاب إلى الميادين، بالتزامن مع دعوات منفصلة لحركة «السترات الصفراء» إلى العصيان، في مشهد يضع الحكومة أمام اختبار أمني وسياسي، قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية.وتراهن السلطات على انتشار أمني واسع لاحتواء أي انفلات محتمل، إذ أعلن وزير الداخلية لوران نونيز نشر 70 ألف شرطي ودركي، ضمن خطة تشمل 110 وحدات متنقلة، و25 مدرعة من طراز «سنتاور»، إلى جانب مدرعات أخرى وخراطيم مياه ومروحيات وطائرات مسيّرة. ويشمل الانتشار قوات الأمن المحلية، مع تفتيش الطرق والسكك الحديدية والمحطات لضبط أي أدوات قد تستخدم في أعمال عنف.70 ألف شرطي لتأمين الاحتجاجات وتختلف تحركات السبت عن الأيام السابقة، إذ تقول وزارة الداخلية إن جانباً كبيراً من الدعوات الجديدة للتجمع لم يصدر عن جهات منظمة أو نقابات تتولى ضبط المسيرات، بل انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مصحوباً بدعوات إلى العنف وقطع الطرق والتخريب.وحذرت السلطات من تجمعات غير مرخصة في مراكز المدن، واتخذت محافظات عدة قرارات بحظر التظاهر في مناطق حساسة، مع الاتفاق على نقل المسيرات المرخصة إلى مسارات بديلة.وفي باريس، دعت النقابات والاتحادات الطلابية إلى مسيرة مصرح بها بين ساحتي الجمهورية والأمة، احتجاجاً على غلاء المعيشة ودعماً لمطالب الشباب.في المقابل، رفضت حركة «السترات الصفراء» الانضمام إلى المسيرة، ودعت إلى تجمع منفصل في ساحة الكونكورد قرب البرلمان والقصر الرئاسي، رغم حظر السلطات له.وقال ممثل عن الحركة إن أنصارها يدعون إلى «عصيان جماعي»، ما زاد مخاوف الحكومة من تحركات يصعب ضبطها.اتساع الغضب الشعبي وتأتي هذه التعبئة بعد يوم احتجاجي واسع الخميس، شهد 193 تحركاً في أنحاء فرنسا، وقدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 575 ألفاً، بينهم 65 ألفاً في باريس، بينما رفعت الكونفدرالية العامة للعمل «سي جي تي» تقديراتها إلى نحو 1.6 مليون متظاهر.وسجلت مدن عدة احتكاكات بين الشرطة ومجموعات حاولت اختراق المناطق المحظورة أو تعطيل المسيرات، فيما أعلنت السلطات اعتقال مئات الأشخاص.وامتدت تداعيات الإضراب إلى قطاعات النقل والتعليم والخدمات، إذ أغلقت أو تعذر تشغيل نحو ثلث المدارس الثانوية، وتعرضت حركة النقل العام لاضطرابات في مناطق مختلفة، كما أُغلق برج إيفل أمام الزوار.ورغم أن مسيرات كثيرة جرت بصورة سلمية، شهدت مدن مثل ليون ونانت ورين وتولوز اشتباكات وأعمال تخريب على هامش الاحتجاجات.مطالب المعيشةوبدأت موجة الغضب في سبتمبر بتحركات طلابية احتجاجاً على نقص العاملين في المدارس وتدهور ظروف التعليم، قبل أن تتوسع بانضمام العمال والمتقاعدين والنقابات، لتشمل مطالب رفع الأجور والمعاشات والحد الأدنى للأجور، وتحسين ظروف العمل وتمويل المدارس والجامعات والخدمات الصحية.وتقول النقابات إن أسعار الوقود والغذاء والإيجارات والكهرباء ترتفع، بينما لا تواكبها الأجور والمعاشات، محذرة من خطط تسريح العمال ومن احتمال دخول البلاد في ركود.وتضع الأزمة المالية الفرنسية الحكومة في مأزق، إذ تضيق مساحة الاستجابة للمطالب الاجتماعية في ظل الضغوط الرامية إلى كبح الدين والعجز.ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية في مايو 2027، تحولت الاحتجاجات إلى ساحة تنافس سياسي تسعى قوى مختلفة إلى استثمارها، فيما يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون نهاية ولايته الثانية ولا يستطيع الترشح لولاية ثالثة متتالية.لوكورنو يفتح باب الحوار وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أنه سيلتقي ممثلي النقابات وأصحاب الأعمال الاثنين لمناقشة الأجور والقدرة الشرائية. لكن النقابات تؤكد أن الحوار لن يكون كافياً ما لم يترافق مع إجراءات ملموسة لزيادة الأجور وتحسين الخدمات.وبينما تحاول الحكومة حماية حق التظاهر السلمي ومنع التخريب، يكشف الحشد الأمني حجم القلق من اتساع الاضطرابات/ فالتحدي لم يعد محصوراً في تأمين مسيرات السبت، بل في معالجة أسباب الغضب التي تجمع الطلاب والعمال والمتقاعدين، قبل أن تتحول أزمة المعيشة إلى أزمة ثقة سياسية أعمق.