احتفاءً باليوم الوطني السعودي، تستحضر مدينة جدة، إحدى المحطات التاريخية المرتبطة بالملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه-، حين انطلقت من شاطئ البحر الأحمر عام 1946 إحدى أشهر رحلاته البحرية، برفقة عدد من أبنائه الأمراء وكبار المسؤولين، متوجهًا إلى جمهورية مصر العربية، في رحلة بقيت حاضرة في ذاكرة ميناء جدة، وشاهدة على مكانة المدينة بوابةً بحريةً للمملكة على العالم. وأمام «البنط» في منطقة جدة التاريخية، احتفى أهالي جدة بوداع الملك عبدالعزيز، قبل أن يستقبلوه في احتفال مماثل لدى عودته عبر المسار نفسه، لتقرر لجنة الاستقبال آنذاك تسمية الساحة العامة أمام «الكرنتينة» و»الجمارك» و»البريد» ب»ميدان الملك عبدالعزيز»، وإطلاق اسم «شارع الملك عبدالعزيز» على الطريق المتصل بها. وشهد ميناء جدة خلال تلك المرحلة أعمالًا تطويرية بأمر الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، شملت ثلاثة مرافق حيوية شكّلت مكونات رئيسة للميناء، تمثلت في مرسى بحري كبير داخل البحر عُرف بـ»الإسكلة»، والحجر الصحي «الكرنتينة»، إلى جانب «جمرك الحجاج» الذي كان داخل «مبنى البنط». ويُعد «مبنى البنط» أحد أقدم المباني القائمة في جدة، ويتكوّن من طابقين بمساحة إجمالية تتجاوز 2000 متر مربع، وشُيّد بالحجر المنقبي، ولا يزال يحتفظ بالعديد من عناصره المعمارية، فيما تحوّل لاحقًا إلى مساحة تحفظ ذاكرة البحر وتاريخ وسائل النقل والنشاطات البحرية. وفي عام 2025، استعاد المبنى دوره بوصفه نافذة على التاريخ البحري للمدينة، مع افتتاح «متحف البحر الأحمر» داخله أمام الزوار بعد ترميمه وفق معايير الاستدامة البيئية، ضمن مبادرات برنامج جودة الحياة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، ليعود «باب البنط» بروحه المعمارية ودوره التاريخي بوابةً لجدة على العالم. ويضم المتحف أكثر من 1000 قطعة أثرية وفنية، تتوزع على سبعة محاور تُقدَّم بأسلوب معاصر يمزج السرد التاريخي بالتجربة التفاعلية، وتتناول تاريخ «باب البنط» وتحولاته، وأصول البحر الأحمر ودلالاته الثقافية، إلى جانب تنوعه البيئي وثراء المجتمعات الساحلية المرتبطة به. وبين الرحلة التاريخية للملك عبدالعزيز وتحول «باب البنط» إلى متحف للبحر الأحمر، يظل المكان شاهدًا على امتداد علاقة جدة بالبحر، وذاكرةً توثّق جانبًا من تاريخ الوطن وتحولاته، وتعيد تقديم إرثه البحري والثقافي للأجيال في قالب معاصر.