السليمانية | فتح إعلان رئيس «الاتحاد الوطني الكردستاني»، بافل طالباني، أخيراً، الانسحاب من حكومة إقليم كردستان، والتلويح بالمضيّ نحو تشكيل مؤسّسات إدارية موازية في السليمانية، الباب أمام احتمالات انقسام سياسي وإداري حادّ في الإقليم، معيداً إلى الواجهة سيناريو «الإدارتَين»، وواضعاً العلاقة بين أربيل والسليمانية أمام خطر القطيعة. وأتى موقف طالباني، الذي أعلنه عقب اجتماع للمجلس القيادي لـ«الاتحاد» في السليمانية، ردّاً على الجلسة التي عقدها برلمان كردستان بدعم من «الحزب الديمقراطي الكردستاني» وحلفائه، وانتهت بانتخاب هيئة رئاسة جديدة. واعتبر طالباني أن حزبه «استنفد فرص التفاهم»، متّهِماً «الديمقراطي» بعدم احترام الديمقراطية وإرادة الناخبين. كما أعلن عدم الاعتراف بمخرجات الجلسة المُشار إليها، ملوّحاً بالمضيّ في انتخاب رئيس للإقليم ورئيس للحكومة في السليمانية، إذا ما استمرّ الطرف الآخر في إجراءاته الأُحادية.وتعود جذور هذا التصعيد إلى تعثّر مفاوضات تشكيل الحكومة العاشرة منذ انتخابات تشرين الأول 2024، التي حصل فيها «الديمقراطي» على 39 مقعداً من أصل 100، مقابل 23 مقعداً لـ«الاتحاد»، و15 لـ«حركة الجيل الجديد». ورغم مرور سنتَين على إجراء الانتخابات، ظلّت عملية التشكيل مُتعطِّلة، فيما واصلت حكومة مسرور البارزاني تصريف الأعمال، وسط خلافات عميقة حول توزيع السلطات، وآليات اتخاذ القرار. فبالنسبة إلى السليمانية، لا تقتصر معالجة الأزمة على توزيع الحصص الوزارية، بل تكمن في ضمان الشراكة في القرار، وعدم استغلال التفوّق العددي لـ«الديمقراطي» في فرض أمر واقع. ويلوّح القيادي في «الاتحاد»، غازي كاكائي، في تصريح إلى «الأخبار»، باتخاذ «خطوات تصعيدية مقابلة، إذا مضى الطرف الآخر في تشكيل اللجان النيابية، واستكمال إجراءات تشكيل الحكومة بمفرده». ويشير إلى أن حزبه «منح الديمقراطي فرصة أخيرة لمراجعة موقفه، والإقرار بأن ما جرى يمثّل خطأً سياسياً»، معتبراً أن «ما حصل يتعارض مع الأعراف التي حكمت العمل السياسي منذ عام 2005، والقائمة على التوافق»، محذّراً من أن «تجاوز هذه القواعد يهدّد أسس النظام السياسي في الإقليم».
السليمانية تحتجّ على تفرّد أربيل بانتخاب هيئة رئاسة البرلمان
في المقابل، يدافع «الديمقراطي» عن الجلسة البرلمانية باعتبارها خطوة ضرورية لإنهاء تعطيل المؤسسة التشريعية. ويقول القيادي في الحزب، صبحي المندلاوي، لـ«الأخبار»، إن بيان طالباني «مستعجل وغير مدروس»، مرجّحاً أن يكون التصعيد ردّاً على نجاح حزبه في تأمين النصاب القانوني. ويذكّر المندلاوي بمقاطعة «الاتحاد» جلسات البرلمان عام 2018 قبل عودته إلى التوافق، لافتاً إلى أن «الديمقراطي سعى منذ إعلان النتائج لتقديم تسهيلات وصلاحيات واسعة لشريكه»، مؤكداً رفض حزبه تعطيل المؤسسات التنفيذية، ودعوته «الاتحاد» إلى العودة إلى طاولة الحوار. وكانت شهدت الجلسة انتخاب فالا فريد إبراهيم رئيسة للبرلمان، ورامي نوري عوديش نائباً لها، ومنى نبي نادر سكرتيرة، بحضور 52 نائباً، ومقاطعة كتلتَي «الاتحاد» و«الجيل الجديد». وفيما يرى «الديمقراطي» في الخطوة استحقاقاً دستورياً، يطعن «الاتحاد» في شرعيتها، ملوّحاً باللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا في بغداد. وفي هذا الصدد، يؤكد رئيس ديوان برلمان الإقليم (عن «الوطني الكردستاني»)، أردلان محمد، في تصريح إلى «الأخبار»، أن ما حدث كان «خارج التوافق ومفاجئاً»، متحفّظاً عن ذكر تفاصيل كونه لا يريد الإدلاء بمواقف «قد تسهم في شقّ وحدة الصف الكردستاني».وتتعدّى تداعيات الأزمة الداخل الكردستاني، لتطاول ملفّ العلاقة المُعقّدة مع بغداد؛ إذ إن تفكّك الموقف الكردي من شأنه إضعاف موقع أربيل في المفاوضات حول الموازنة، ورواتب الموظفين، ونفط الإقليم، والمناطق المُتنازع عليها، وغير ذلك من مسائل شائكة. كما أن اتجاه السليمانية إلى مُطالبة بغداد بالتعامل المباشر مع ملفاتها المالية، قد يجبر الحكومة الاتحادية على فتح قنوات رئيسَة منفصلة مع المحافظتين. ويرى الباحث السياسي، عبد الصاحب الفريجي، أن ما يشهده الإقليم اليوم هو نتيجة طبيعية لإصرار «الديمقراطي» على اعتماد منطق «الأغلبية العددية والتفرّد»، بدلاً من فلسفة «التوافق والشراكة التاريخية» التي قام عليها النظام السياسي في الإقليم منذ عام 2005. ويضيف أن «تجاوز السليمانية، وفرض خيار الأمر الواقع عبر البرلمان، يمثّلان قفزة في الفراغ السياسي. فالإقليم لا يُدار بحسابات الأرقام البحتة. واحتكار القرار المؤسّسي لن يدفع الاتحاد نحو خيارات الإدارة الموازية فحسب، بل سيُضعِف موقع أربيل السياسي وتأثيرها في بغداد». ويبيّن أن إضعاف الشراكة الداخلية ينسجم مع تفكّك الجبهة الكردية الموحّدة في العاصمة الاتحادية، ما يحرم الإقليم من أوراق قوية، ويجعل «الديمقراطي» معزولاً في مواجهة معادلة القوى الكلّية في العراق.