هناك لقاءات يحددها موعد، وهناك لقاءات يصنعها القدر، في الصف السادس الابتدائي كنا أنا وعلي مكي نجلس على مقاعد الدراسة في مدرسة تحفيظ القرآن الكريم بضمد. كان فتىً يلفت الأنظار بتفوقه العلمي وهدوئه ورجاحة عقله على صغر سنّه. وما زلت أحتفظ في ذاكرتي بصورة لا تزال نابضة بالحياة.يوماً قصدت منزله لنذاكر معاً واستعداداً للاختبارات ولم أكن أعلم أن تلك الزيارة ستكون آخر صفحات الطفولة قبل أن تفرقنا الحياة.انتقلت مع أسرتي إلى القنفذة بينما أكمل علي دراسته في صبيا، إذ لم تكن في ضمد آنذاك مدرسة لتحفيظ القرآن للمرحلة المتوسطة. وهكذا افترق الطريقان وانقطعت الأخبار ومضت الأعوام.. عاماً بعد عام إلى أن بلغت أربعين عاماً.لم يكن بيننا خلالها لقاء ولا رسالة ولا سلام عابر. لكلٍ منا حياته ومسيرته ومسؤولياته. أصبحتُ ممرضاً في مستشفى الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، بينما شق علي طريقه في فضاء الفكر والإعلام وأصبح صحفياً وكاتباً ويعمل في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست). وظل بيننا ما ينتظر سانحة تجديد الوصل بين الماضي والحاضر، فدفعتني الذكريات للبحث عنه. وإثر محاولات عثرت على رقم هاتفه. اتصلت فجاءني صوته وكأنه لم يغب. كانت سنوات الغياب تتلاشى مع أول «مرحباً» وكأن الذاكرة كانت تحفظ لكل واحدٍ منا مكانه في قلب الآخر.بدأت بيننا الاتصالات واستعدنا أسماء المعلمين ووجوه الزملاء وأياماً كنا نظن أنها ذهبت بلا عودة.وكان اللقاء الأول عقب أربعين عاماً في صالة المغادرين بمطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة، سافرنا معاً إلى عاصمة تأسر القلوب، وهناك اكتشفت أن الزمن يمنح ويسلب المناصب ويغيّر المهن ويبدل الملامح إلا أنه لا يستطيع أن يغيّر المعادن الأصيلة. وجدت علي مكي كما هو في ذهني، كريم النفس، رفيع الذوق نقي القلب، حاضر المروءة.. عذب وموسوعي الحديث يعرف كيف يمنح من حوله راحة لا تُشترى.وإذا كان لكل إنسان قصة يرويها عن أعظم مكاسب حياته فإن من أجمل ما أفتخر به أنني عثرتُ على صديق طفولتي.. واستعدتُ أخاً لم تلده أمي.إلى أخي وصديق طفولتي علي مكي (أبو مشعل).. لم تستطع أربعة عقود، أن تمحو أثر الأيام الجميلة بل جعلت لقاءنا أكثر قيمة، وأثبتت لي أن بعض الصداقات يكتب الله لها الخلود بقدر ما في القلوب من ينابيع صفو وودّ.