أظهر مشهد الاحتجاجات والاعتصامات الذي نفّذه بعض الشبان المنتمين إلى الطائفة السنية، بالتزامن مع إعلان دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى عقد جلسة عامة للتصويت على قانون العفو العام الذي أقرّته اللجان النيابية الأربعاء، حجم ما لمسه المحتجون من إجحاف بحق السجناء المنتمين إلى طائفتهم، وعلى رأسهم الشيخ أحمد الأسير وسجناء إسلاميون آخرون. لكن الرئيس بري، المشهود له حرصه على الوفاق الوطني، تدارك الموقف وأعلن تأجيل الجلسة العامة حتى تتضح الصورة، لأن لبنان، برأيه، أحوج ما يكون إلى الوفاق في هذه المرحلة المفصلية من تاريخه.
موجة الغضب السنية هذه سبق أن شهد لبنان موجات عديدة مشابهة لها منذ اندلاع الحرب الأهلية وتنامي ظاهرة الخلاف المذهبي، ما أدى إلى التقاتل الطائفي. وكل ذلك يشير بوضوح إلى تراجع الانتماء الوطني على حساب التعصب الطائفي والمذهبي في لبنان، الأمر الذي حال، طوال العقود الماضية، دون قيام الدولة المركزية السيدة الحرة المستقلة التي يحلم بها كل لبناني شريف.
ما جرى بالأمس، وما حصل قبله في الروشة في ذكرى استشهاد الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، وما تلاه من حملات احتجاج مسيحية على الإساءة التي تعرض لها سيد بكركي البطريرك مار بشارة بطرس الراعي، إلى غيرها من المسائل المشابهة، أعادنا بالذاكرة إلى مرحلة ما قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، يوم طرح المعلم الشهيد كمال جنبلاط إصلاح النظام السياسي واعتماد قانون النسبية والانتخاب على قاعدة لبنان دائرة انتخابية واحدة، وهو الطرح الذي لقي ارتياحاً كبيراً في الأوساط اللبنانية والأحزاب التقدمية واليسارية آنذاك. ولم يعارضه سوى الحلف الثلاثي المتمثل بحزبي "الوطنيين الأحرار" برئاسة كميل شمعون و"الكتائب اللبنانية" برئاسة بيار الجميل، بعد خروج العميد ريمون إده منه احتجاجاً على المواقف الانعزالية لكل من شمعون والجميل، إضافة إلى بعض القوى السنية الراديكالية.
وبعد اندلاع الحرب الأهلية، أعاد المعلم طرح مشروع إصلاح النظام السياسي ضمن البرنامج المرحلي للحركة الوطنية، الذي قال عنه المبعوث الأميركي دين براون إنه أفضل من النظام المعمول به في الولايات المتحدة. وسعت الولايات المتحدة إلى احتواء معارضة الرئيس السوري حافظ الأسد لزيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس وإطلاق محادثات كامب ديفيد، ووافقت على مقررات قمة الرياض العربية بتشكيل قوة الردع العربية ذات الغالبية السورية والدخول إلى لبنان لضبط الأمن وإعادة الأمور إلى مجاريها، وهو ما كان يسعى إليه حافظ الأسد، الذي انقلب على الحركة الوطنية، التي كانت تسيطر على 80% من الأراضي اللبنانية، بحجة حماية المسيحيين، فتحالف مع الانعزال اللبناني واغتال كمال جنبلاط. كما ساهم في إخفاء موسى الصدر، ما أدى إلى السيطرة السورية على غالبية المناطق اللبنانية التي كانت خاضعة لسيطرة الحركة الوطنية.
بعد تسلّم وليد جنبلاط قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي ورئاسة الحركة الوطنية خلفاً لوالده المعلم الشهيد، لم يعد هناك مجال لإعادة البحث في إصلاح النظام السياسي بسبب مصادرة الجانب السوري القرار السياسي الداخلي، والاجتياح الإسرائيلي، وحرب الجبل، ومعركة سوق الغرب، التي ساعدت على انعقاد مؤتمر الطائف وإطلاق يد سوريا في لبنان من جديد. وفي تلك المرحلة، حاول الرئيس جنبلاط، من خلال مؤتمر بيت الدين لعودة المهجرين المسيحيين إلى بلداتهم وقراهم، إعادة صورة لبنان المشرقة عبر ترميم اللحمة بين المسيحيين والدروز، لكن إمساك سوريا بالورقة اللبنانية مجدداً أبقى مشروع إصلاح النظام السياسي مجرد شعارات صعبة المنال.
إلا أن مرحلة وصول رفيق الحريري إلى السلطة وترؤسه الحكومة في عهد الرئيس إلياس الهراوي، ونجاح وزير شؤون المهجرين وليد جنبلاط في تحقيق عودة المسيحيين إلى بلداتهم وقراهم في الجبل، عززا الأمل لدى غالبية اللبنانيين باستعادة الروح الوطنية، رغم المطبات التي أحدثها تشكيل النظام الأمني اللبناني ـ السوري، وتغييره الكثير من المفاهيم اللبنانية، رغم التحدي الكبير الذي فرضه وجود الحريري في الحكم وتحالفه مع جنبلاط ثم مع فريق قرنة شهوان.
لكن قمة الانصهار الوطني تجلت في مهرجان 14 آذار 2005 بعد اغتيال الرئيس الحريري، رغم الانقسام العمودي في المشهد اللبناني بين 8 و14 آذار. وما جرى في السابع من أيار 2008 دفع وليد جنبلاط مرة جديدة إلى التموضع في الوسطية لتخفيف حدة الخلاف السياسي والحؤول دون انزلاق البلد إلى الفتنة. إلا أن ارتباط "حزب الله" الأيديولوجي بالنظامين الإيراني والسوري، واعتباره جزءاً من الحرس الثوري الإيراني التابع لولاية الفقيه بقيادة علي خامنئي، انعكس سلباً على الجهود التي بذلها وليد جنبلاط لاستيعاب الحزب في كنف الدولة، بسبب مواقفه المعطلة لقيام الدولة، رغم مشاركته في كل الحكومات التي تعاقبت بعد تسوية الدوحة.
وما جرى في حرب إسناد غزة عام 2024، ثم في إسناد إيران عام 2026، كان كارثياً، رغم الآمال التي عقدت على العهد الجديد برئاسة جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. فدخول "حزب الله" الحرب ضد إسرائيل بحجة الثأر لخامنئي أدى إلى تدمير قسم كبير من الجنوب اللبناني، واحتلال إسرائيل منطقة جنوب الليطاني بالكامل، وجرف نحو 25 قرية وبلدة جنوبية وإزالتها من الوجود. كما أدى إلى نزوح أكثر من مليون مواطن جنوبي من مدنهم وقراهم، وتحويل الدولة إلى خلية أزمة لمعالجة تداعيات الحرب. لكن "حزب الله"، الذي ورّط لبنان وبيئته الشيعية بهذه الحرب، وضع مخاصمة الدولة في ميزان خسارته الحرب وتحميلها مسؤولية التقصير في حماية اللبنانيين، فأخذ يهدد علناً بالحرب الأهلية، محمّلاً رئيسي الجمهورية والحكومة مسؤولية ما قد ينتج من تداعيات الحرب.
هذه المواقف تشير إلى تراجع كبير في الخطاب الوطني لدى فئة واسعة من اللبنانيين، مقابل تنامي ظاهرة التعصب الطائفي والمذهبي، ولا سيما لدى "حزب الله"، الذي يحاول في بياناته العسكرية إيهام اللبنانيين بأنه المنتصر، وكأنه يقاتل في شمال إسرائيل أو في حيفا ويافا وتل أبيب، وليس في البياضة وبنت جبيل والطيبة والبازورية وعيترون، ما قد يوحي للبعض بأن جنوب لبنان تحول إلى صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا إنسان ولا حياة، وهو ما يعني استحالة واضحة لحل مشكلة لبنان في ظل هذه الأجواء الملبدة.
الحل لن يتحقق إلا بالعودة إلى البرنامج الإصلاحي لكمال جنبلاط وتطبيقه، والأخذ بنصائح وليد جنبلاط الكثيرة والمتعددة في هذا المجال، باعتباره السياسي الوحيد في لبنان الذي ينادي بمرجعية الدولة، فيما أثبتت بقية القوى السياسية فشلها، لأنها تنطلق في مواقفها من زاوية المصالح الشخصية لا الوطنية، ما يعني استحالة قيام الدولة إذا بقي الانتماء الوطني منقوصاً.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
بين إتفاقية الهدنة ومفاوضات الإطار.. أي طريق يُنقذ لبنان؟
إسرائيل تخيف العرب والعالم.. وتخشى طائرة ورق
بين الأطماع الإسرائيلية والأحقاد الفارسية.. لبنان الحلقة الأضعف