بحسب بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي الصادرة في 6 تشرين الثاني/نوفمبر، أضاف الاقتصاد الأميركي 165 ألف وظيفة خلال تشرين الأول، مقارنة بتوقعات بلغت نحو 65 ألف وظيفة وفق استطلاع أجرته "رويترز". كما تراجع معدل البطالة إلى 4.1%، مقابل 4.2% في أيلول/سبتمبر، في إشارة إلى استمرار متانة سوق العمل رغم التحديات الاقتصادية وتباطؤ التوظيف الذي شهدته بعض القطاعات خلال الأشهر الماضية.
ولم تقتصر المؤشرات الإيجابية على أرقام الشهر الماضي، إذ رُفعت تقديرات الوظائف المضافة في آب وأيلول بمجموع 84 ألف وظيفة. كما ارتفع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 0.4% على أساس شهري، ليصل إلى 38 دولاراً، مسجلاً زيادة سنوية بلغت 3.1%. وتعكس هذه الأرقام استمرار قدرة سوق العمل على دعم الاستهلاك، لكنها قد تزيد في الوقت نفسه من مخاوف استمرار الضغوط التضخمية.
وتمنح قوة سوق العمل الاحتياطي الفيدرالي هامشاً أكبر للإبقاء على تركيزه على مكافحة التضخم، بدلاً من إعطاء أولوية فورية لدعم التوظيف والنشاط الاقتصادي. وفي أعقاب صدور البيانات، ارتفعت توقعات الأسواق لزيادة أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع كانون الأول/ديسمبر، واقتربت احتمالات الزيادة من 80% وفق أداة "فيد ووتش" التابعة لبورصة شيكاغو التجارية، مع اختلاف التقديرات بحسب توقيت رصد الأسواق ومصدر البيانات.
ومن المقرر أن يعقد الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه المقبل يومي 8 و9 كانون الأول، وسط ترقب المستثمرين للمؤشرات الاقتصادية المقبلة، ولا سيما بيانات التضخم، لتحديد ما إذا كانت قوة التوظيف ستترجم إلى قرار فعلي برفع الفائدة. ولا تعني رهانات الأسواق أن القرار حُسم، إذ يبقى مرتبطاً بتطورات الأسعار والنشاط الاقتصادي والبيانات التي ستصدر قبل الاجتماع.
وعلى صعيد أسواق العملات، ارتفع الدولار الأميركي عقب صدور التقرير، إذ عززت بيانات الوظائف التوقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول. كما اتجهت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع، مع إعادة المستثمرين تقييم مسار أسعار الفائدة والعائد المتوقع على الأصول المقومة بالدولار.
وتنعكس هذه التحركات على الأسواق العالمية، إذ يؤدي ارتفاع العوائد الأميركية عادة إلى زيادة جاذبية الأصول المقومة بالدولار، فيما يرفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدرّ عائداً. وفي هذا السياق، تراجع الذهب بعد صدور البيانات، إذ سجل سعر الأونصة الفوري نحو 4,074.36 دولاراً، منخفضاً بنسبة 0.3% في التداولات التي أوردتها «رويترز»، فيما أنهت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم كانون الأول الجلسة على انخفاض بنحو 0.9%.
وتضع البيانات الأخيرة الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة دقيقة: فاستمرار قوة التوظيف يدعم إنفاق الأسر ويعزز متانة الاقتصاد، لكنه قد يبقي الضغوط على الأجور والأسعار، ويحدّ من قدرة البنك المركزي على تخفيف السياسة النقدية سريعاً.
وبالنسبة إلى الأسواق، لا تكمن أهمية التقرير في عدد الوظائف المضافة وحده، بل في تأثيره على توقعات الفائدة وتكلفة الاقتراض واتجاه الدولار والعوائد. ومن هنا، ستتجه الأنظار إلى بيانات التضخم المقبلة، باعتبارها عاملاً أساسياً في تحديد ما إذا كانت قوة سوق العمل ستدفع الفيدرالي إلى زيادة جديدة للفائدة في كانون الأول، أم أن تطورات الأسعار ستفرض مساراً مختلفاً.