الوطن في صيغة الجمع

تبدو كلمة «الوطن» مفردة في ظاهرها، واسعة في معناها. وحين نتأملها قليلًا، نكتشف أن هذا المفرد يحمل في داخله جمعًا كثيرًا؛ أمكنةً ووجوهًا وذكرياتٍ وأحلامًا، وأزمنةً تتعاقب، وأجيالًا تمضي وأخرى تأتي. فالوطن الذي نردده في كلمة واحدة، نعيشه في صور متعددة. في اللغة، يرتبط الوطن بالمكان الذي يألفه الإنسان ويقيم فيه، ثم تتسع دائرته مع التجربة حتى يغدو المكان معنى، ويصبح الاسم الذي نطلقه على الأرض متصلًا بما يتركه العيش فيها من أثر. ولهذا تحمل كلمة «وطن» شعورًا يتجاوز حدود المكان؛ إذ يستدعيها الإنسان حين يتحدث عن طفولته، وبيته الأول، وطرقات عرفها، ووجوه ألفها، ولهجة سمعها في سنواته الأولى. هكذا هو الوطن بيت، ثم حي، ثم مدينة، ثم أرض تمتد في الذاكرة أكثر مما تمتد على الخريطة. وفي وطننا الغالي تتجاور الأمكنة بتنوعها اللافت؛ من السواحل إلى الصحاري، ومن الجبال إلى الواحات، ومن المدن الكبرى إلى القرى والهجر. لكل مكان ملامحه، وله في الوجدان أثره. الوطن لا تصنعه صورة واحدة. هو في الإنسان الذي يبدأ يومه في أقصى الشمال، وفي آخر يفتح متجره في مدينة من مدن الوسط، وفي معلمة تقف أمام طالباتها، وطبيب يواصل عمله، ومزارع يرعى أرضه، وباحث يكتب، ومهندس يبني، وشاب يخطط لغده. تتعدد الوجوه، وتتعدد الأعمال، ويبقى بينها خيط واحد يصلها بالمكان الذي يجمعها. وهنا تتغير الكلمة قليلًا. نقول: وطني حين نتحدث عن علاقتنا الفردية بالمكان، ثم نقول: وطننا حين ندرك أن هذا المكان يتسع لنا جميعًا. في الانتقال من الياء إلى «نا» معنى يستحق التأمل. «وطني» كلمة يخرج منها صوت الفرد، أما «وطننا» فتفتح المجال للجماعة. يصبح الوطن مساحة مشتركة، وتصبح مسؤولية بنائه كذلك. عندها تتحول العلاقة بالمكان من شعور نحمله في داخلنا إلى أثر نتركه فيه. وللوطن أيضًا زمنه الطويل. فما نراه اليوم امتداد لأمسٍ حفظته الذاكرة، وما نصنعه اليوم يؤول غدا إلى أبنائنا، وبين الماضي والمستقبل يقف الحاضر واقعاً نملك فيه قدرة العمل والإنجاز. ولهذا يبدو الوطن زمناً متصلاً؛ كان، ويكون، وسيكون. في اليوم الوطني تتجدد هذه المعاني، ويظهر الوطن في صيغة الجمع أكثر من أي وقت آخر. تتعدد الاحتفالات والمشاهد والفعاليات، وتختلف طرق التعبير، ثم يجتمع الناس على معنى واحد. كل فرد يحمل صورته الخاصة عن الوطن، وكل أسرة تحفظ حكاياتها، وكل مدينة تضيف إلى المشهد ملامحها؛ وكلها تؤكد أن الوطن مفرد في اللغة، جمعٌ في الحياة. د. نجوى الكحلوت