ليس الفقه في حقيقته استكثارًا من محفوظ المسائل، ولا استحضارًا لجملة الفروع والأقوال؛ فإن ذلك ـ وإن كان من آلاته ـ ليس غايته ولا حقيقته، وإنما الفقه مَلَكةٌ راسخة، وبصيرةٌ نافذة، تنشأ من طول الملازمة لنصوص الوحي، وإدامة النظر في دلالاتها، ومعرفة مدارك الأحكام ومآخذها، والتفقه في طرائق الأئمة ومسالكهم في الاستنباط والترجيح، وإدراك علل الأحكام ومقاصد التشريع، وردِّ الفروع إلى أصولها، والجزئيات إلى كلياتها، وإلحاق النوازل بأشباهها ونظائرها.
وليس الفقيه من جمع الفروع، وإنما الفقيه من فقه مأخذ الحكم قبل أن يحفظ الحكم، وأدرك وجه الدليل قبل أن يروي المسألة، وعرف كيف تتولد الفروع من أصولها؛ حتى تصير له ـ بالعلم وطول المران ـ مَلَكةٌ يزن بها المسائل، ويميز بها بين المتشابهات، ويفرق بين المختلفات، ويضع الحكم في موضعه، على هديٍ من الدليل وقواعد الشريعة.
ومن أجل ذلك كان التفقه في الدين من أجل نعم الله على عبده، وعلامةً ظاهرةً على إرادة الخير به؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين» متفق عليه.
والفقه في أصله فهمٌ عن الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ كما عبر عن ذلك شيخنا -حفظه الله- في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (4/ 252) بقوله: «والفقه في الشريعة، والفقه في القرآن هو: الفهم؛ لهذا صار الفقيه هو العالم الذي يفهم معنى كلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم».
ومن هنا كانت العناية بالفقه عنايةً بصحة الفهم، وسلامة الاستدلال، وحسن الاعتصام بالوحي؛ إذ لا يتحقق الاعتصام التفصيلي بالكتاب والسنة إلا بالعلم بمعانيهما وأحكامهما. وقد أوصى شيخنا -حفظه الله- بذلك فقال في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (5/ 423) ما نصه: «أوصيكم بالفقه، الفقه في الشريعة، الفقه في الكتاب والسنة؛ لأنه بالفقه يحصل الاعتصام، الاعتصام بالكتاب والسنة؛ اعتصام إجمالي بما تُقرُّ به وتعتقد، وهناك اعتصام تفصيلي، وهذا لا يكون إلا بالعلم؛ ولذلك أحرى الناس بالكتاب والسنة أهلُ العلم بالكتاب والسنة».
ومن تأمل المسيرة العلمية لشيخنا الفقيه الحنبلي، العلامة معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ -حفظه الله- وجد أن الفقه والتأصيل الفقهي يمثلان جانبًا أصيلًا من تكوينه العلمي؛ فقد نشأ في بيت علم وفقه، واتصلت عنايته منذ بواكير طلبه بكتب أهل العلم، ومصنفات الفقهاء، ومدونات المذهب الحنبلي، مع عناية ظاهرة بالدليل والتأصيل، وربط الفروع بأصولها وقواعدها.
وليس غريبًا أن يكون للمذهب الحنبلي حضورٌ بيِّن في تكوين شيخنا؛ فهو سليل بيت علم عُرف بالعناية بالفقه والعقيدة والدعوة، وامتدت فيه صلة العلم جيلًا بعد جيل، حتى غدا الكتاب والدرس الفقهي والمباحثة جزءًا من بيئته العلمية التي نشأ فيها.
والمتأمل في دروس شيخنا وشروحه ومحاضراته؛ يلحظ أن عنايته بالفقه الحنبلي ليست عنايةَ ناقلٍ لفروع المذهب؛ وإنما هي عناية المتفقه؛ الذي يريد أن يعرف كيف بُني الحكم، ومن أين أُخذ، وما مأخذه ومناطه، وما أصله الذي يرجع إليه.
وهذه منزلة دقيقة في دراسة الفقه وتكوين المَلَكة الفقهية؛ فإن معرفة الحكم شيء، ومعرفة مأخذه وفقهه ووجه بنائه شيء آخر.
ولهذا يكثر في طرح شيخنا الفقهي المؤصَّل؛ ردُّ المسائل إلى قواعدها، وربط الجزئيات بكلياتها، وبيان الفروق بين الصور المتشابهة، والكشف عن مناط الحكم، واستحضار كلام الأصحاب واصطلاحاتهم، والتمييز بين الروايات والأوجه والاحتمالات، ومعرفة ما استقر عليه المذهب، وما جرى عليه المتأخرون من فقهائه.
وهنا تظهر قيمة التقعيد الفقهي؛ إذ القاعدة تجمع شتات الفروع، وترد المتفرق إلى جامع، وتجعل طالب العلم ينظر إلى الفقه بوصفه بناءً متماسكًا، لا مسائل متناثرة يحفظ بعضها، وينسى بعضها الآخر.
ومن أجمل ما يمكن أن يلحظه طالب العلم في دروس شيخنا الفقهية المؤصَّلة: الانتقال من السؤال: ما حكم هذه المسألة؟ إلى سؤال أعمق: لماذا كان حكمها كذلك؟ وعلى أي أصل بُني؟ وما نظائرها؟ وما الذي يفرق بينها وبين غيرها؟ وهنا تبدأ صناعة الفقيه؛ فالفقه ليس حفظ «الحكم» وحده، وإنما معرفة طريق الحكم ومناطه.
ولذلك كانت القواعد الفقهية، وأصول الفقه، ومقاصد التشريع، ومعرفة علل الأحكام، وفقه الخلاف، ومدارك العلماء؛ آلاتٍ لا غنى عنها؛ لمن أراد أن يرتقي من حفظ المسائل؛ إلى مرتبة النظر الفقهي المنضبط.
ومن هذا الباب تبرز أهمية التقعيد في الدرس العلمي، وهو الأمر الذي يؤكد عليه شيخنا -حفظه الله- في دروسه؛ فالقاعدة الفقهية أو الأصولية إذا استقرت في ذهن الطالب، أمكنه أن يجمع تحتها عشرات المسائل، وأن يدرك العلاقات بينها، وأن يفرق بين ما يندرج فيها؛ وما يُستثنى منها، من مسائل المذهب وغيرها.
غير أن المَلَكة الفقهية لا تُبنى من طريق واحد، ولا تستقيم بالعناية بجانب وإغفال غيره؛ بل تتكون من روافد متكاملة تجمع بين التأصيل والتطبيق، والاتصال بفقه السلف.
وقد نبَّه شيخنا -حفظه الله- إلى أن تنمية المَلَكة والحاسة الفقهية تكون بثلاثة أمور مجتمعة غير متفرقة، في كتاب «سلسلة المحاضرات العلمية» (4/ 390 – 391) حيث قال: «إن التفقه، وحرص المرء على أن يكون عنده مَلَكة فقهية، يكون مبنيًّا على هذا الذي ذكرت.. لهذا الفقه، وتنمية المَلَكة الفقهية، والحاسة الفقهية في فهم المسائل، وفي التعبير عنها، وفي إدراك كلام العلماء على المسائل الفقهية، يكون برعاية هذه الثلاث مجتمعة:
وهذا ترتيبٌ بديع في صناعة الفقيه؛ فالمتون تضبط له أبواب العلم ومسائله ومصطلحاته، والفتاوى تُريه الفقه حيًّا في الوقائع والنوازل، والآثار تصله بفهم السلف ومنابع الاستدلال الأولى.
فإذا اجتمعت هذه الثلاث استقام للطالب أصلٌ يحفظه، وتنزيلٌ يمارسه، وأثرٌ يهتدي به؛ فلا يكون أسيرًا للتجريد، ولا تابعًا لواقعة مبتورة عن أصولها.
ومن الملامح الجديرة أيضاً بالعناية في المنهج الفقهي لشيخنا: الجمع بين الرواية والدراية؛ فلا يُستغنى بالدليل عن فقه العلماء، ولا بكلام الفقهاء عن الدليل، بل يوضع كل واحد منهما في موضعه؛ فالنص أصل، وفهم السلف له نور، ومدونات المذاهب خزائنُ لقرون طويلة من النظر والاستنباط والتحرير.
ومن هنا كانت دراسة المذهب عند المحققين؛ طريقًا إلى ضبط الفقه، لا حجابًا عن الدليل؛ لأن المذهب مدرسة علمية متكاملة، لها أصولها، ومصطلحاتها، ومراتب كتبها، ورجالها، وطرائقها في التخريج والترجيح.
وهذا المعنى -كما يقرره شيخنا- مهم في تكوين طالب العلم؛ إذ إن من دخل بحر الفقه بلا أصول تضبطه، ولا منهج يسلكه، ربما جمع مسائل كثيرة، ولم تتكون لديه مَلَكة الفقيه.
وإذا كانت المذاهب مدارسَ علميةً عريقةً؛ حفظت الفقه وحررت مسائله، فإن الانتساب إلى مذهب منها، أو الترجيح بين أقوالها بالدليل، لا يسوِّغ الطعن في أئمتها أو الانتقاص من علمائها؛ فالإنصاف معهم دينٌ، وحفظ أقدارهم من أخلاق العلم.