أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تحليلًا جديدًا تناول تطورات سوق التمويل الاستهلاكي عالميًا ومحليًا، وأهميته الاقتصادية، وأبرز الاتجاهات التي تعيد تشكيل السوق في ظل التوسع في التكنولوجيا المالية ونماذج التمويل الرقمي، إلى جانب استعراض واقع النشاط في مصر والتطورات التنظيمية والرقابية التي شهدها خلال الفترة الأخيرة.
وأشار التحليل إلى أن سوق التمويل الاستهلاكي تشهد نموًا متسارعًا، مدفوعًا بتزايد الطلب على الحلول الائتمانية المرنة، والتوسع في التكنولوجيا المالية، وظهور نماذج جديدة للتمويل الرقمي. وفي المقابل، يصاحب هذا التوسع عدد من التحديات المرتبطة بأعباء المديونية ومخاطر التعثر وحماية المستهلك، بما يفرض أهمية تحقيق التوازن بين توسيع فرص الحصول على التمويل وضمان سلامة السوق والقدرة على السداد.
وأوضح التحليل أن التمويل الاستهلاكي يسهم في تعزيز القدرة الشرائية للمستهلكين، ودعم مبيعات الشركات وتنشيط الطلب المحلي، بما ينعكس على الاستثمار والتشغيل والنمو الاقتصادي. كما يسهم في توسيع نطاق الشمول المالي وإتاحة الخدمات المالية لشرائح أوسع من المستهلكين، إلى جانب دعم التحول الرقمي من خلال التوسع في استخدام التطبيقات والعقود الرقمية والمدفوعات الإلكترونية والاستعلامات الائتمانية.
وفي مصر، شهد نشاط التمويل الاستهلاكي توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ ارتفعت قيمة التمويل الممنوح من نحو ٨.٤ مليارات جنيه في عام ٢٠٢٠ إلى نحو ٩٦.٣ مليار جنيه في عام ٢٠٢٥، أي إلى أكثر من ١١ ضعفًا خلال خمس سنوات. كما ارتفعت قيمة التمويل خلال عام ٢٠٢٥ وحده بنسبة ٥٧.١٪ مقارنة بنحو ٦١.٣ مليار جنيه في عام ٢٠٢٤، ومثَّل التمويل الاستهلاكي نحو ٦.٩٪ من إجمالي التمويل الممنوح من خلال الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية.
كما بلغ عدد المستفيدين من التمويل الاستهلاكي نحو ١٠.٨ ملايين عميل خلال عام ٢٠٢٥، فيما بلغ عدد تراخيص التمويل الاستهلاكي نحو ٤٨ رخصة، بما يعكس الاتساع الملحوظ في حجم النشاط وقاعدة المتعاملين معه.
وتُعرّف الهيئة العامة للرقابة المالية التمويل الاستهلاكي بأنه نشاط يهدف إلى توفير التمويل اللازم لشراء السلع والخدمات لأغراض استهلاكية، على أن تُسدد أقساطه خلال فترة لا تقل عن ستة أشهر. ويشمل عددًا من المنتجات والخدمات، من بينها السيارات وقطع الغيار، والأثاث وتجهيزات المنازل، والسلع المعمرة، والملابس والأحذية والساعات، والمستلزمات الطبية والتجميلية، إلى جانب الخدمات التعليمية والطبية، واشتراكات الأندية الرياضية، وخدمات صيانة السيارات والأجهزة والمعدات الاستهلاكية، والسفر والسياحة، والتشطيبات والتجهيزات المنزلية، وحلول الطاقة المتجددة للمنازل.
وأوضح التحليل أن النمو السريع في النشاط تزامن مع تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي والرقابي للسوق، استنادًا إلى القانون رقم ١٨ لسنة ٢٠٢٠ بتنظيم نشاط التمويل الاستهلاكي وتعديلاته بموجب القانون رقم ١٥٨ لسنة ٢٠٢٢، إلى جانب القانون رقم ٥ لسنة ٢٠٢٢ بشأن تنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية.
وشهد عام ٢٠٢٦ تحولًا مهمًا نحو تعزيز مفهوم «التمويل المسؤول»، من خلال مجموعة من الإجراءات التنظيمية والرقابية التي استهدفت رفع مستويات الشفافية والحوكمة، وتعزيز حماية العملاء، وتحسين تقييم الجدارة الائتمانية، والحد من مخاطر الاحتيال والإفراط في الاستدانة.
وفي هذا الإطار، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية في ٥ سبتمبر ٢٠٢٦ أول دليل شامل لقواعد وضوابط نشاط التمويل الاستهلاكي، يجمع القواعد والقرارات والتعليمات المنظمة للنشاط في مرجع موحد، ويغطي مختلف مراحل عمل الشركات، بدءًا من التأسيس والترخيص والحوكمة والرقابة الداخلية، وصولًا إلى ممارسة النشاط والملاءة المالية وعقود التمويل. كما تضمن الدليل ضوابط لحماية المتعاملين والإفصاح عن تكاليف التمويل ومصروفاته ومخاطره، إلى جانب قواعد تقييم الجدارة الائتمانية وإدارة المخاطر ومتطلبات التحول الرقمي والأمن السيبراني.
كما ألزمت الهيئة شركات وجهات التمويل الاستهلاكي بتطبيق منظومة استخدام رمز التحقق (OTP) عند إبرام عقود التمويل وعند استخدام التمويل، بما يدعم التحقق من هوية العملاء والرصد المبكر لمحاولات انتحال الهوية أو استخدام بيانات شخصية غير صحيحة، ويحافظ على حقوق العملاء وجدارتهم الائتمانية.
وواصلت الهيئة تطوير آليات تقييم الجدارة الائتمانية، حيث ألزمت شركات التمويل الاستهلاكي بالتعرف على تقييم التحليل السلوكي للعملاء باستخدام البيانات البديلة من خلال شركة الاستعلام الائتماني «آي سكور»، ومراعاة نتائج هذا التقييم عند اتخاذ قرارات منح التمويل، إلى جانب إجراء تحقق رقمي من بيانات العملاء. ومن المقرر بدء الاستعلام عن التقييم القائم على التحليل السلوكي باستخدام البيانات البديلة في الأول من أبريل ٢٠٢٧، بما يسهم في رفع كفاءة قرارات منح الائتمان والحد من احتمالات التعثر وعدم السداد.
كما عززت الهيئة متطلبات الشفافية من خلال إلزام شركات التمويل الاستهلاكي بموافاة الهيئة بصورة ربع سنوية ببيانات معدلات الفائدة والمصروفات الإدارية المطبقة على التمويلات الممنوحة من البنوك، إلى جانب متوسط معدلات العائد والمصروفات الإدارية المحتسبة على العملاء. وأصدرت الهيئة كذلك تعميمًا يحظر تمويل سبائك ومشغولات الذهب والفضة والبلاتين باعتبارها أدوات استثمارية لا تندرج ضمن السلع والخدمات الاستهلاكية التي يجوز تمويلها وفقًا للقانون.
وعلى المستوى العالمي، أوضح التحليل أن سوق التمويل الاستهلاكي واصلت نموها خلال السنوات الأخيرة؛ حيث يُتوقع ارتفاع حجم السوق من نحو ١.٦٩ تريليون دولار في عام ٢٠٢٥ إلى نحو ١.٨١ تريليون دولار في عام ٢٠٢٦، بمعدل نمو سنوي مركب قدره ٦.٩٪، وفقًا لشركة Research and Markets المتخصصة في أبحاث السوق.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة ليصل حجم السوق إلى نحو ٢.٣٨ تريليون دولار بحلول عام ٢٠٣٠، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ ٧.١٪، مدفوعًا بسرعة تبني منصات الإقراض الرقمية، والتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم الجدارة الائتمانية، ونمو خدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» (BNPL)، والإقراض متناهي الصغر، وزيادة الشمول المالي في الأسواق الناشئة، وارتفاع الطلب على حلول التمويل الفوري.
وفيما يتعلق بخدمات «اشترِ الآن وادفع لاحقًا»، أظهرت تحليلات شركة Adobe وصول الإنفاق عبر هذه الخدمات إلى نحو ١٨.٢ مليار دولار خلال موسم التسوق للعطلات لعام ٢٠٢٤، بزيادة ٩.٦٪ مقارنة بعام ٢٠٢٣، وهو أعلى مستوى مسجل حتى ذلك الوقت. كما أظهرت بيانات الاتحاد الأوروبي لتمويل المستهلكين (Eurofinas) منح أعضائه قروضًا جديدة بقيمة ٤٨٤ مليار يورو خلال عام ٢٠٢٤، بزيادة ٣.٢٪ مقارنة بعام ٢٠٢٣.
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ارتفع إجمالي الائتمان الاستهلاكي بمعدل سنوي معدل موسميًا بلغ ٢.٢٪ في أكتوبر ٢٠٢٥، وفقًا للاحتياطي الفيدرالي، فيما كانت أمريكا الشمالية أكبر منطقة في سوق التمويل الاستهلاكي عالميًا خلال عام ٢٠٢٥.