المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون لإطلاق حوار مباشر مع إسرائيل، بعد انضمام الحزب إلى الحرب دفاعاً عن إيران، فتحت نقاشاً في لبنان حول السقف السياسي الذي يمكن أن تصل إليه هذه المفاوضات. وعليه، وجد لبنان نفسه أمام سؤال مفصلي: هل يذهب إلى معاهدة سلام شاملة مع إسرائيل، أم يكتفي بسقف أكثر واقعية يتمثّل في تفعيل اتفاقية الهدنة لعام 1949 كإطار لتنظيم النزاع؟
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب قراءة هادئة ودراسة معمّقة للخيارات، بما يحقق توازناً دقيقاً بين الواقع والممكن، ويجنّب لبنان الانزلاق إلى المجهول في لحظة لم تتضح فيها بعد ملامح الواقع الجيوسياسي الذي تتجه إليه المنطقة في العقود المقبلة. كما تتطلب هذه القراءة التوقف عند أهمية حفاظ لبنان على التزامه المستمر بمبادرة السلام العربية التي أُقرّت في قمة بيروت عام 2002، والتنبه إلى التداعيات السياسية والاستراتيجية المترتبة على الذهاب إلى خيار منفرد مع إسرائيل لا يحظى بدعم المملكة العربية السعودية التي رعت اتفاق الطائف وتدعم بقوة احترامه والمحافظة عليه.
الهدنة: إطار قانوني يعيد الاستقرار إلى الجنوب
طرح الهدنة كسقف للتفاوض مع إسرائيل ليس خياراً ناقصاً، إذ تشكّل الهدنة إطاراً قانونياً قائماً يعيد تنظيم العلاقة العدائية من دون فرض اعتراف سياسي شامل. فهي، من جهة، تنسجم مع قواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، مثل القرار 425 والقرار 1701، ومن جهة أخرى تمنح لبنان القدرة على ضبط الحدود وتخفيف التوتر، من دون الدخول في التزامات تتجاوز قدرته السياسية الداخلية في الوقت الراهن. وبهذا المعنى، يطرح هذا الخيار نفسه كإطار سياسي وقانوني يهدف إلى تنظيم النزاع بشروط سيادية، في انتظار ظروف أكثر توازناً لإنتاج تسوية نهائية.
النقاش المتعلق بالسلام مع إسرائيل يفترض النظر في تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المضمار، غير أنّ الحجة الأكثر حسماً في الدعوة إلى التروي قبل القفز نحو معاهدة سلام تكمن في سؤال بسيط: من يضمن أن الطرف الآخر يريد السلام فعلاً؟
المعطيات الحالية لا تقدّم جواباً مطمئناً. فالحكومة الإسرائيلية تدخل المفاوضات من موقع القوة العسكرية، لا من موقع التسوية السياسية. وقد قبل رئيسها بنيامين نتانياهو بوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام تحت ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ثم أعلن، بعد يوم واحد من بدء الهدنة، خريطة “منطقة أمنية” تمتد من جنوب لبنان إلى جبل الشيخ في الجنوب السوري. فهل سأل المتحمسون لخيار السلام عن معنى السلام مع حكومة ينصبّ همّها الأساسي على إعادة تشكيل الواقع الأمني وفق الرؤية الإسرائيلية، لا على إقامة سلام يحفظ مصالح الطرفين؟
الأهم من ذلك، لا يظهر وجود تحوّل استراتيجي في إسرائيل نحو سلام حقيقي يعترف بحقوق الآخرين. فالواقع الميداني يُظهر استمرار الجيش الإسرائيلي في انتهاك وقف إطلاق النار بالتوازي مع التحضير لبدء المفاوضات، ما يعكس استخدام القوة كأداة تفاوض. كما تركز تصريحات المسؤولين الإسرائيليين على ضرورة إبقاء القوات داخل الأراضي اللبنانية ضمن “منطقة أمنية”، لا “منطقة عازلة”. فأيّ سلام يمكن أن يُبنى في ظل هذا التناقض بين دعوة لبنان إلى اتفاق سلام، وممارسة ميدانية تعمل على هدم البيوت وفرض واقع يمنع عودة السكان إلى أجزاء من جنوب الليطاني، على نحو يشبه السياسات المعتمدة في الضفة الغربية لتكريس السيادة الإسرائيلية وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية؟
لا يمكن تجاهل أن أي معاهدة سلام ستصطدم بانقسام داخلي عميق.
في المقابل، تشكّل الهدنة أرضية وسطية تتيح وقف الأعمال العدائية، وضبط الحدود، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وتمنح الدولة فرصة استعادة دورها تدريجياً، لا سيما في قرار السلم والحرب، وتنفيذ قرارات مجلس الوزراء بحصر السلاح. كما تتيح الحفاظ على الحد الأدنى من الإجماع الوطني، ومنع أي تصدعات داخلية تهدد الاستقرار.
إن رفع سقف التفاوض إلى معاهدة سلام في ظل المعطيات الراهنة لا يعبّر عن طموح سياسي بقدر ما يشكّل اندفاعاً محفوفاً بالمخاطر ومجازفة غير محسوبة النتائج. في المقابل، فإن الطرح الذي قدّمه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط باعتماد اتفاقية الهدنة كسقف تفاوضي، يقدّم مقاربة واقعية سيادية، تُوازن بين مقتضيات الاستقرار وحدود القدرة الوطنية، وبين واقع إسرائيلي لا يزال بعيداً عن أي تحوّل استراتيجي نحو سلام حقيقي.
هذا الخيار لا يكتفي بتنظيم النزاع، بل يضع حداً لاستخدام لبنان كساحة مفتوحة لتصفية الصراعات الإقليمية، ويمنح الدولة فرصة فعلية لإعادة صياغة سياستها الخارجية على قاعدة الخروج من منطق المحاور، بما يعيد الاعتبار لدورها السيادي وقرارها المستقل.
وعليه، فإن الهدنة ليست خياراً انتقالياً أو تسوية ناقصة، بل تمثّل السقف السياسي الأكثر صلابة وواقعية في مواجهة أوهام سلام غير متوافر، وهي التعبير الأوضح عن إرادة حماية الاستقرار الوطني من مغامرات غير مضمونة في زمن السلام المفقود.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.
الهجري وكيل تفليسة لمشروع بدأ يفقد ركائزه
هل تدرك واشنطن وطهران أن التسوية باتت لمنع الخسارة الأكبر؟
مضيق هرمز وإعادة رسم خريطة القوة في عالم الطاقة
من مكة إلى واشنطن: هل تولد منظومة أمن إقليمية جديدة؟
لبنان ولوكسمبورغ: تشابه الصيغة السياسية واختلاف الممارسة المؤسسية
الموقف الأوروبي من اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل: تأييد مشروط وضمانات ناقصة