.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
يوم الاثنين 28 أيلول/سبتمبر 2026، تستقبل أبرشيّة ميتز قداسة البابا لاوون الرّابع عشر، في زيارةٍ يلتقي خلالها أبناء الأبرشيّة والمؤمنين القادمين من مختلف المناطق، إلى جميع الرّاغبين في المشاركة في هذا اللقاء الذي يجمع الصّلاة والحوار، ويفتح أفقا للتّفكير في قضايا السّلام والوحدة.
إنّ اختيار ميتز محطّة لزيارة البابا لفرنسا، بين 25 أيلول 2026 و28 منه، يكتسب طابعا تاريخيّا وروحيّا خاصّا. فهذه المدينة، الواقعة في قلب منطقةٍ تمتدّ بين فرنسا وألمانيا وعلى مقربةٍ من اللوكسمبورغ، عرفت عبر تاريخها تحوّلاتٍ عميقة طبعت مسار القارّة الأوروبّيّة. وتحمل أرضها آثار الحروب والانقسامات التي تركت جراحا عميقة في الوعي الجماعيّ، كما تحتفظ بشهادات شخصيّاتٍ عملت على تجاوز إرث الصّراع والبحث عن صيغٍ جديدةٍ للتّقارب بين الأمم. وفي مقدّم هذه الشّخصيّات يبرز روبير شومان، الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بأبرشيّة ميتز، وكان من الآباء المؤسّسين للمشروع الأوروبّيّ، واضعا المصالحة بين البلدان وبناء مستقبلٍ مشتركٍ في صميم رؤيته السّياسيّة.
بدأت أبرشيّة ميتز مسار دعوى تطويب روبير شومان، وقد أعلن المثلّث الرّحمات البابا فرنسيس في 19 حزيران/يونيو 2021 مرسوم الاعتراف بفضائله البطوليّة، ومنحه بذلك لقب "المكرّم". ولا تزال الدّعوى في مسارها الكنسيّ، في انتظار استكمال المراحل التي قد تفضي إلى تطويبه. ويكتسب استحضار شخصيّته في مناسبة زيارة البابا لاون الرّابع عشر قيمة خاصّة، لأنّ سيرة شومان تكشف تلازما عميقا بين اقتناعه المسيحيّ والتزامه الشّأن العامّ، ونظرته إلى الإنسان ورؤيته لمستقبل القارّة.
يرتبط روبير شومان ارتباطا وثيقا بأرض الموزيل، ولا سيّما ببلدة سي-شازيل(Scy-Chazelles)، حيث أمضى السّنوات الأخيرة من حياته. وقد تحوّل منزله هناك إلى متحفٍ و"مكانٍ للذّاكرة"، يحفظ جانبا مهمّا من سيرته وشهادته. وفي حياة شومان لم يكن الإيمان المسيحيّ شأنا منفصلا عن حضوره في المجال العامّ، بل كان أحد الأطر التي أسهمت في تكوين نظرته إلى الإنسان والمجتمع والواجب المدنيّ.
من هذا المنطلق، لم يتعامل شومان مع العمل السّياسيّ باعتباره وظيفة أو مجرّد ممارسةٍ للسّلطة أو دفاعا عن المصالح الوطنيّة، بل رآه مسؤوليّة تجاه الصّالح العامّ. وقد اكتسب هذا التّصوّر وزنا خاصّا في أعقاب الحربين العالميّتين، حين أصبحت القارّة أمام ضرورة مراجعة الأسس التي حكمت علاقاتها لعقودٍ طويلةٍ. فالتّجربة التّاريخيّة أظهرت أنّ التّنافس بين القوى، حين يتحوّل إلى صراعٍ مفتوحٍ، لا يترك وراءه انتصاراتٍ مستقرّة، بل خسائر بشريّة وندوبا تمتدّ آثارها إلى أجيالٍ متعاقبةٍ.
من هنا يمكن فهم الرّؤية التي حملها شومان لأوروبّا: الانتقال من منطق المواجهة إلى إقامة أشكالٍ جديدةٍ من الشّراكة، ومن الارتياب المتبادل إلى الثّقة التّدريجيّة، ومن الدّفاع المنفرد عن المصالح إلى السّعي نحو الصّالح العامّ. ولم تكن هذه الرّؤية مجرّد استجابةٍ ظرفيّةٍ لمرحلة ما بعد الحرب، بل بدت تعبيرا عن اقتناع بأنّ العلاقات بين الأمم يمكن أن تُبنى على أسسٍ مختلفةٍ، وأنّ السّياسة قادرةٌ على أن تكون مجالا لتجاوز الخصومات وصياغة أفقٍ جديدٍ للقارّة.
تظلّ هذه الرّؤية حاضرة في أوروبّا المعاصرة، وإن اختلفت الظّروف التّاريخيّة. فالقارّة تواجه اليوم أسئلة تتّصل بالهويّة، والهجرة، والتّفاوتات الاجتماعيّة، والتّحوّلات السّياسيّة، وموقعها في عالمٍ سريع التّغيّر. لذلك لا يقتصر التّفكير في مستقبل أوروبّا على مؤسّساتها أو بنيتها الاقتصاديّة، بل يتّصل أيضا بالإنسان الذي تريد أن تكون في خدمته، وبالقيم التي تستطيع أن تجعل من التّنوّع مصدرا للتّفاعل بدل أن يتحوّل إلى عامل انقسامٍ.
2. البابا في ميتز: جذور أوروبّا من أجل السّلام
تأتي زيارة البابا لاون الرّابع عشر لميتز في هذا السّياق الذي تتقاطع فيه التّجربة التّاريخيّة مع أسئلة الحاضر. ففي مركز المؤتمرات الذي يحمل اسم روبير شومان، يشارك البابا في لقاءٍ بعنوان "عند جذور أوروبّا من أجل السّلام والوحدة"، كما يلتقي ممثّلي مختلف الأديان في إطار الحوار بينها.
يكتسب اختيار اسم شومان لهذا المركز قيمة رمزيّة، إذ يستحضر شخصيّة ارتبطت بإحدى المراحل الحاسمة في تاريخ القارّة، ويعيد طرح السّؤال عن الأسس التي يمكن أن تقوم عليها الحياة الأوروبّيّة. فالجذور لا تعني العودة إلى الماضي بوصفه زمنا مكتملا، وإنّما تتيح قراءة الحاضر في ضوء التّجارب التي أسهمت في تشكيله.
ويفتح حضور الحوار بين الأديان ضمن برنامج الزّيارة، مجالا آخر للتّأمّل في مسؤوليّة الجماعات الدّينيّة داخل المجتمعات المعاصرة. فالتّعدّد الدّينيّ والثّقافيّ يفرض أشكالا من الإصغاء المتبادل، لا تقوم على محو الاختلاف، بل على التّعارف واحترام الخصوصيّات والبحث عن إمكانات التّعاون في خدمة الإنسان.
لا تقتصر الزّيارة على اللّقاءات الصّباحيّة، إذ سيجوب البابا شوارع المدينة في السّيّارة البابويّة، قبل أن يتوجّه إلى كاتدرائيّة القدّيس إسطفان للاحتفال بالقدّاس الإلهيّ. وهكذا يجتمع في برنامج اليوم بعدٌ رعويٌّ وشعبيٌّ وروحيّ، فيلتقي البابا المؤمنين في فضاء المدينة، ثمّ يجتمع بهم حول المذبح في قلب الكنيسة المحلّيّة.
غير أنّ استحضار شومان لا ينبغي أن يتحوّل إلى مجرّد احتفاءٍ بشخصيّةٍ من الماضي. فقيمة سيرته تكمن أيضا في الأسئلة التي تتركها أمام الحاضر: كيف يمكن المسؤوليّة السّياسيّة أن تبقى مرتبطة بكرامة الإنسان؟ وكيف يستطيع المجتمع أن يتعامل مع ماضيه من غير أن يبقى أسيرا له؟ وما الذي يجعل التّجارب المؤلمة مصدرا للتّعلّم بدل أن تتحوّل إلى وقودٍ لصراعاتٍ جديدةٍ؟
تبدو هذه الأسئلة راهنة في عالمٍ تتزايد فيه التّوتّرات، وتتعقّد فيه العلاقات بين المجتمعات، وتعود لغة الخصومة إلى المجال العامّ. وفي هذا الإطار تستعيد سيرة شومان قدرتها على مخاطبة الحاضر، لا بوصفها نموذجا جاهزا ينقل من زمنٍ إلى آخر، وإنّما لكونها تجربة سياسيّة وأخلاقيّة تطرح إمكان الجمع بين الاقتناع الشّخصيّ والخدمة العامّة.
تحمل أرض الموزيل، في هذا السّياق، خصوصيّة لا تنفصل عن تاريخها. فقد عرفت الصّراع بين الأمم، وشهدت تحوّلاتٍ سياسيّة تركت آثارها في حياة السّكّان وذاكرتهم. لكنّها عرفت أيضا انتقالا تدريجيّا من الخصومة إلى الشّراكة، ومن التّنافس الذي غذّى النّزاع إلى التّعاون الذي أتاح بناء أطرٍ جديدةٍ للعلاقات الأوروبّيّة. ومن هنا تصبح الجغرافيا نفسها شاهدة على إمكاني التّحوّل التّاريخيّ.