حين يسأل طالبٌ أداةً للذكاء الاصطناعي عن الفرق بين الاستعارة والكناية، قد يحصل على جواب في ثوانٍ. لكن هل يستطيع أن يعرف من أين جاء التعريف، وأن يعود إلى الكتاب والصفحة ليتحقّق منه؟ من هذا السؤال انطلق حديث "النهار" مع الدكتور امحمّد صافي المستغانمي، الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالشارقة، عن "الموسوعة العربية الشاملة للعلوم والآداب والفنون والأعلام"، التي يعرض المجمع 143 مجلداً منها في الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب.المشروع، الذي أطلق حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مرحلته الأولى في كانون الأول 2025، أُتيح رقمياً خلال افتتاح المعرض. وبحسب المجمع، يشارك في إعداده 1140 باحثاً موزّعين على 157 لجنة متخصّصة. وبينما يستطيع القارئ تصفّح المادة الموسوعية عبر منصّتها، أشار المستغانمي في حديثه إلى "النهار" عمّا إذا كان في الإمكان الذهاب خطوة أبعد، بحيث تستند أدوات الذكاء الاصطناعي إلى الموسوعة عند الإجابة، وتُبيّن للقارئ مصدر المعلومة.
هل يستطيع المستخدم أن يطلب جواباً من الموسوعة؟
يصف المستغانمي إدراج الموسوعة في أدوات الذكاء الاصطناعي لتدقيق الإجابات بأنه "التحدّي القائم". ويشرح الفكرة من جهة المستخدم. يمكن للطالب أن يحدّد المرجع في سؤاله، فيقول "أريد جواباً من الموسوعة"، على أن تسترجع الأداة المادة ذات الصلة وتدلّه على مصدرها.
ويستشهد بتجربة "المعجم التاريخي للغة العربية"، وهو مشروع آخر يعرضه المجمع في جناحه، موضحاً أن إتاحة مادته للذكاء الاصطناعي جعلت استرجاع أجوبة منه ممكناً. ويرى أن تجربة المعجم تبيّن كيف يمكن لهذه الأدوات أن توسّع الوصول إلى المعرفة العربية الموثّقة.
للذكاء الاصطناعي، في حديث المستغانمي، دور أيضاً في عمل الباحثين الذين يُعدّون الموسوعة. فهو يختصر وقت البحث الأولي، لكن سرعة الوصول إلى الإجابة لا تكفي لاعتمادها. ويوضح أن المجمع ألزم الباحثين بتعهّدات تقضي بتوثيق ما يوردونه، وأن الاستعانة بأداة ذكية في العثور على معلومة تستتبع العودة إلى مصدرها وتحديد المجلّد والصفحة. ثم تمرّ المادة بالتحكيم والتدقيق اللغوي.ويضرب مثالاً من البلاغة. حين يبحث القارئ عن الاستعارة، يجد تعريفاً للمصطلح وشرحاً لأنواعه وأمثلة عليه وإحالات إلى مصادره. وفي النحو، يمكنه أن يتعرّف إلى المدرستين البصرية والكوفية وأوجه الخلاف بينهما. وبهذه الطريقة، يتتبّع القارئ كيف نشأ العلم وتطوّر، إلى جانب تعرّفه إلى مفاهيمه وأبرز أعلامه.
بحسب المستغانمي، تتوزّع المجلّدات الـ143 المعروضة بين العلوم اللغوية والشرعية وعلم الفلك. وتستأثر علوم اللغة بـ47 مجلداً، تشمل النحو والصرف والبلاغة والعروض، إلى جانب اللسانيات والسيميائيات وتحليل الخطاب. ويأتي علم الفلك في 22 مجلداً، تتضمّن مادته صوراً وشروحاً مبسّطة. أما العلوم الشرعية فتشمل، بين مجالاتها، علوم القرآن والحديث والفقه وأصوله والسيرة النبوية.
ويضع المستغانمي تبسيط المادة في صلب المشروع. فالموسوعة تتوجّه إلى الناشئة وطلاب الجامعات والمعاهد، ويتيح جمع هذه الحقول في منصّة واحدة للقارئ أن يبدأ بتعريف موجز ثم يتوسّع في الموضوع بالعودة إلى الشروح والأمثلة والمراجع.
في المراحل المقبلة، يتوسّع العمل ليشمل حقولاً من العلوم الإنسانية والعامة والفنون. ويقول المستغانمي إن موادّ في الفلسفة والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا باتت قيد التحكيم، فيما يجري إعداد موادّ في الفيزياء والكيمياء والرياضيات. ويشمل المشروع أيضاً فنوناً مثل الموسيقى والسينما والزخرفة والفنون التشكيلية، إلى جانب باب لتراجم الأعلام يضمّ، وفق المستغانمي، نحو أربعين فئة، بينها الأدباء والشعراء والمفسّرون والمحدّثون والفقهاء.وعن حدود الشمول، يوضح أن المشروع يسعى إلى جمع أصول العلوم التي يعمل عليها، ويشير إلى أن الطبّ والصيدلة خارج نطاق العمل الذي تحدّث عنه. أمّا في ما يخصّ الذكاء الاصطناعي، فتبقى الفائدة التي ينتظرها المستغانمي مرتبطة بما يستطيع القارئ فعله بعد تلقّي الإجابة: أن يصل إلى المرجع، ويقرأ النصّ في سياقه، ويتحقّق منه بنفسه.