النقيب يفتحُ الدفاتر القديمة: شبهات باختلاس وتزوير وهدر

قبيل التصويت على البيان المالي لعام 2026 - 2027 في نقابة المحامين، في منتصف تشرين الثاني المقبل، «شطح» النقيب عماد مارتينوس في عرض إنجازاته، محوِّلاً مؤتمراً صحافياً عقده لهذه الغاية إلى منصةٍ لفضح تجاوزات سلفيه النقيبين السابقين ناضر كسبار (مستقل) وفادي المصري (كتائبي). ورغم تأكيد مارتينوس أنه لا يتهم أحداً بالسرقة، بل «يسلّط الضوء على مكامن الخلل، في ظل عدم تطابق الموجودات في الصناديق مع ما تظهره المُستندات»، فإن نتائج التدقيق المالي والمحاسبي لأعوام 2023 - 2024 - 2025 تُظهِر شبهات اختلاس، وتضع التحالف القواتي - الكتائبي قبل أسبوعين من انتخابات تجديد ثلث أعضاء مجلس النقابة على المحك، والجسم النقابي أمام قضية فساد من العيار الثقيل.

تعيش نقابة المحامين «هوس حجب الثقة»، على حدّ تعبير مارتينوس، بعدما حجبت الجمعية العمومية الثقة عن البيان المالي عام 2023، ثم كرّرت الأمر عام 2025 (لم تُعقد الجمعية العمومية عام 2024 بسبب الحرب). وفي حال حجب الثقة عن البيان المالي هذا العام، الذي سيجري التصويت عليه في 15 تشرين الثاني المقبل، موعد انتخابات تجديد ثلث أعضاء مجلس النقابة، قد يجد مارتينوس نفسه أمام ضغوط تدفعه إلى الاستقالة، وهو ما قد ينسحب على المجلس بكامل أعضائه.

صحيح أنّ رفض البيان المالي ليس سابقة في تاريخ النقابة، إلا أن الحالتين السابقتين وقعتا في أواخر عهدي النقيبين كسبار والمصري. أمّا مارتينوس، فلا تزال أمامه سنة لتنتهي ولايته، وسيكون عليه إكمالها من دون ثقة الجمعية العمومية.

بيان مالي مبتور

وعليه، دعا مارتينوس المحامين، الذين لم يحضر سوى قِّلةٍ منهم، لاستعراض حصيلة سنة من عهده. وعندها ظهرت الإخفاقات في مقاربته للملف المالي، إذ عرض بياناً مالياً بدا مبتوراً، نتيجة تجاهله السنوات الثلاث السابقة، في مُقاربة بدت وكأنها تدعو إلى البدء من الصفر، وفق قاعدة «عفا الله عما مضى». وهي مُقاربة لا تستقيم، وفق أكثر من رأي قانوني، لأنه «لا يمكن بناء العهد الحالي على فراغ، أو تجاوز أنقاض مرحلة سابقة بالغة الخطورة من دون معالجتها، لأنها عملية مترابطة تشبه أحجار «الليغو»».

مارتينوس عرض موازنة عام 2025 - 2026. فتحدّث عن نفقات بلغت مليوناً و992 ألف دولار، في مقابل إيرادات وصلت إلى 3 ملايين و782 ألف دولار، ما أفضى إلى فائض قدره مليون و790 ألف دولار. استدعى ذلك سؤالاً عن مدى قانونية التصرف بهذه الأموال بشكل اعتيادي، بعد رفض الجمعية العمومية البيان المالي الذي قدّمه المصري، خصوصاً أنه لم يتم الالتزام بالقاعدة الاثني عشرية، وفقاً لقانون تنظيم مهنة المحاماة، الذي يفرضها حتى إقرار الموازنة وفق الأصول.

وهو ما يحوّل التصويت على البيانات المالية إلى إجراء شكلي «مثل قلته»، ويهدد حق الجمعية العمومية في الرقابة والمُساءلة.لم يأتِ مارتيونس على ذكر كل ذلك، واكتفى باستعراض الثغرات السابقة والإجراءات التصحيحية التي أعلن اتخاذها، من اعتماد نظام محاسبي جديد (PIMS)، وتعيين مدير مالي، وإظهار الحسابات الدائنة والمَدينة بصورة دقيقة. واستهلّ النقيب عرضه بجردة حساب للمرحلة السابقة، تخلّلتها إيحاءات خطيرة بشبهات اختلاس وتزوير وهدر لأموال النقابة.

شبهات بالاختلاس

واستندت هذه الاتهامات إلى خلاصة التدقيق المالي والمحاسبي في النقابة للأعوام من 2023 إلى 2025 التي جاءت نتائجها سلبية، كاشفةً عن اختلالات بنيوية في النظام المحاسبي والرقابي.فالتقرير أظهر أن النظام المحاسبي الذي كان مُعتمداً قديم، إضافةً إلى غياب أرقام وبيانات أساسية. كما رصد ثغرات في الرقابة، وقيوداً محاسبية غير مُسجّلة، واعتماداً على المُحاسبة الورقية وإيصالات غير مُقيّدة، ونقصاً في عدد من السجلّات المحاسبية، ولا سيما تلك المتعلقة بالمتقاعدين والمستشفيات والأطراف الثالثة، فضلاً عن شوائب في العمليات المُنفّذة بالعملات الأجنبية وفروقات أسعار الصرف، في ظل غياب المُستندات التي توثّق أسعار الصرف المُعتمدة لشراء الدولار النقدي بعد بدء الأزمة النقدية.في التفاصيل، فصّل مارتينوس التجاوزات بالأرقام، على الشكل الآتي:

- تسجيل الاشتراكات المُسدّدة حصراً، من دون إثبات الاشتراكات غير المدفوعة في السجلّات المحاسبية.

- التخلّف عن ملاحقة المحامين المتأخرين في تسديد الاشتراكات المتوجبة للصندوق التعاوني منذ عام 2015، والتي بلغت نحو 750 ألف دولار. وعن ذلك، علّق مارتينوس: «اليوم نلاحقهم، وتبيّن أن معظمهم انتقلوا إلى شركات تأمين أخرى. وتكمن الخطورة في أن يستفيد المحامي من التغطية التأمينية من دون أن يدفع الاشتراكات المتوجبة عليه». ويسأل: «كيف يحصل هؤلاء على التأمين رغم عدم التسديد؟»، قبل أن «يلطش»: «إمّا بتوقيع من النقيب نفسه، أو بمساعدة الموظفين».

المؤتمر الصحافي عُقد عشية انتخابات نقابية، ومارتينوس قد يضطر إلى الاستقالة في حال حجب الثقة عن البيان المالي

- عدم متابعة مستحقات النقابة من الدولة (رسم 1 بالألف)، وبلغت بحسب وزير المالية، منذ عام 2022 إلى اليوم 960 مليار ليرة، ما يساوي نحو 10 ملايين دولار، حصّلت النقابة جزءاً منها وتبقّى 8 ملايين دولار.

- عدم تطابق الأرصدة النقدية الفعلية في صناديق النقابة مع المبالغ المُثبتة في السجلّات المحاسبية، إذ تبيّن وجود 30 ألف يورو غير مُسجّلة محاسبياً. كما أظهر التدقيق وجود صناديق ذات أرصدة سلبية، في مخالفة للأصول المحاسبية المُتعارف عليها، إذ يُفترض أن يكون رصيد الصندوق موجباً أو صفراً، لا سالباً.

- خلل في إدارة الحسابات المصرفية وعدم تطابق أرصدتها مع الأرقام المعروضة على الجمعيات العمومية، إذ أظهر التدقيق إفراطاً في فتح الحسابات المصرفية. وبعد الاعتقاد أن عددها لا يتجاوز 20 حساباً، تبيّن وجود 88 حساباً، تصل كلفتها السنوية إلى نحو 60 ألف دولار.

-وجود نواقص وأخطاء في التصاريح المُقدّمة إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعدم دقة في الإفصاح عن جميع الأجور، فضلاً عن مُتأخرات لم تُسدّد في مواعيدها، ما أدّى إلى تراكم المبالغ المستحقة وإضافة غرامات تأخير إليها. ولمعالجة الملف، عُيّن خبير محاسبي وضريبي للعمل على تسوية المستحقات والاستفادة من الإعفاءات الممكنة من الغرامات. وبحسب الأرقام التي عُرضت، انخفض المبلغ المطلوب من 270 ألف دولار إلى 201 ألف دولار بعد التسوية، فيما بلغت غرامات التأخير المتوجبة نحو 52 ألف دولار.

- غياب البيانات المالية المرتبطة بالأصول الثابتة، رغم امتلاك النقابة أراضيَ في بسكنتا ومبنى «بيت المحامي». وفي إطار تصحيح هذا الخلل، أُدرجت هذه الأصول النقابية في البيان المالي لعام 2026 - 2027، والتي بلغت قيمتها الإجمالية 8 ملايين و333 ألف دولار، استناداً إلى تقارير خبراء التخمين. في المقابل، لا يزال جرد الطوابع ومجلة «العدل» غائبيْن، ما يحول دون تحديد قيمتهما بصورة دقيقة وإثباتهما محاسبياً وفق الأصول.

- أخطاء في جداول لجنة التقاعد، شملت أسماء متقاعدين متوفين وأشخاصاً سقط حقهم في الاستفادة بمرور الزمن. هكذا، انخفض عدد المستفيدين المُسجّلين من نحو 1,300 متقاعد إلى 1,070 متقاعداً. وأوضح مارتينوس أن وجود هذه الأسماء في السجلّات لا يعني بالضرورة استمرار الدفع لهم، إذ قد تبقى حساباتهم مفتوحة ومُجمّدة إلى حين مراجعة أوضاعها. كما تبيّن وجود حالات استفاد فيها أبناء لم يعودوا يستوفون شروط الاستحقاق، بسبب تجاوز السن القانونية أو الزواج أو العمل المأجور.

وكشف التدقيق أيضاً عمليات قبض كانت تتم من دون إبراز وكالة قانونية، ومن دون تدوين اسم الشخص الذي قبض المبلغ. وبعد مراجعة هذه العمليات، شُطب نحو 55 اسماً من جداول المتقاعدين، فيما تستمر عملية التدقيق في شروط استحقاق الرواتب التقاعدية، بالاستناد إلى المادة 15 من قانون صندوق تقاعد المحامين الرقم 62/88.

فضائح عشية الانتخابات

يبدو مُستغرباً أن مارتينوس قرّر كشف التجاوزات التي شهدتها السنوات الثلاث السابقة علناً، عشية انتخابات ثلث أعضاء مجلس النقابة. فالنقيب الحالي «قواتي»، والتجاوزات هذه حصلت خلال عهد النقيب السابق فادي المصري «الكتائبي»، ومعراب والصيفي تخوضان الاستحقاق الانتخابي في لائحة موحّدة. فهل ينعكس المؤتمر الصحافي لمارتينوس على اليوم الانتخابي؟وبعيداً من الحسابات الانتخابية، يبدو فاقعاً أن مارتينوس يتحدث عن إخفاقات مرحلة كان جزءاً منها، بصفته عضواً في مجلس النقابة السابق الذي يتولى اليوم مُساءلته. بل كُلّف، من قبل النقيب السابق، بالتحقيق في ملف المتقاعدين تحديداً، من دون أن يكشف عن نتائج التحقيق الذي أُوكل إليه.

ختاماً، لا يمكن اختزال الاختلالات المالية التي كُشف عنها في تقييم مرحلة سابقة أو الاكتفاء بمعالجتها للتدليل على تغيير في المرحلة الحالية. فما طرحه مارتينوس يحمل شبهات في جرائم مالية تستدعي التدقيق والمُساءلة والمحاسبة من قبل الجهات القضائية المختصة، أو المجلس التأديبي.فهل تتحرّك النيابة العامة المالية وتفتح تحقيقاً لكشف الحقيقة كاملة وتحديد المسؤولين عن الارتكابات في حال ثبُت وقوعها، أسوةً بالنيابات العامة التي تتحرك بسرعة عندما يتعلق الأمر بناشطين سياسيين أو بالمقاومة؟