النقل العام بالرياض.. من حلم التنفيذ إلى عتبة الـ«500» مليون راكب – د.سامي بن عبدالله الدبيخي

قبل نحو عقدين، عندما كانت السيارة الخاصة تكاد تكون الخيار الطبيعي للتنقل في الرياض، كان الحديث عن نظام نقل عام ناجح في مدينة مترامية الأطراف، منخفضة الكثافة نسبياً، ومرتبطة ثقافياً وعملياً بالسيارة، يبدو للبعض أقرب إلى الحلم. ولهذا كان السؤال الذي حملته رسالتي للدكتوراه بين عامي 2003 - 2007 بسيطاً في صياغته، عميقاً في معناه: هل يمكن أن ينجح النقل العام في الرياض؟

قادتني دراسة تجارب أوتاوا وفانكوفر وبيرث آنذاك إلى نتيجة واضحة، مفادها بأن ذلك ممكنًا. فالنجاح لا تصنعه تكنولوجيا القطارات الحديثة وحدها، ولا تشترطه مسبقاً مدينة مكتظة وذات كثافة سكانية، وإنما تصنعه منظومة متكاملة لتخطيط المدينة والنقل: تكون أولوية فيها للنقل العام، وتربط القطار بالحافلة والمشاة بالمحطة، وتخدم وجهات متعددة، وتدار ضمن رؤية موحدة كما هو الحال بمدينة الرياض بقيادة الهيئة الملكية لتحقيق «التنمية الشاملة» عبر التخطيط العمراني وتكامله مع تخطيط النقل. وكانت خاتمة الرسالة أن نجاح النقل العام في الرياض ممكن رغم خصوصية شكلها وتركيبتها العمرانية.

اليوم، وكما وضحت بمقالي السابق في ديسمبر 2024 بعنوان «قطار الرياض إلهام من مدرسة سلمان» لم يعد ذلك السؤال نظرياً. فالأرقام التي عرضها معالي رئيس الهيئة الملكية لمدينة الرياض م. إبراهيم السلطان في المؤتمر الصحفي الحكومي حول مشروعات الرياض، والقادمة من أرض الواقع تقول شيئاً يستحق التوقف عنده. فقد اقترب الاستخدام التراكمي لشبكة النقل العام في الرياض إلى عتبة الـ 500 مليون راكب منذ افتتاحه، موزعة بنسبة ثلثي الرحلات تقريبًا عبر المترو وثلثها الآخر عبر الحافلات. جدير بالذكر أن استخدام المترو يواصل نموه السريع على أساس سنوي، وأن خطوطه الستة تساهم في تزايد نمو الطلب عليه.

لكن النتيجة الأهم بالنسبة لباحث متخصص، هو أن الحافلات لم تفقد الركاب تدريجياً مع تشغيل المترو. على العكس من ذلك فقد أظهرت البيانات أن تشغيل المترو صاحبه ارتفاع ملحوظ وجيد في الطلب على شبكة الحافلات واستمرار النمو بعد ذلك. وهذه واحدة من أهم إشارات النجاح. ذلك أن المدن لا تحتاج إلى قطار جميل يعمل منفرداً، بل إلى شبكة متكاملة يستطيع الراكب أن ينتقل داخلها بسهولة من الحافلة إلى المترو، ومن المحطة مشياً إلى وجهته الأخيرة.

بل إن بعض خطوط المترو سجلت خلال أوقات الذروة مستويات استغلال مرتفعة للغاية، وصلت حوالي 130 % في بعض الحالات. وهذا نجاح يحمل في داخله تحدياً جديداً مفاده كيفية المحافظة على جودة الرحلة مع استقبال المزيد من الركاب، وكيفية رفع السعة والتقاطر قبل أن يتحول الإقبال الكبير إلى تكدس الركاب داخل المنظومة نفسها؟ وقد أشار معاليه إلى بدء الهيئة بالاستعداد لنمو الطلب على المترو وزيادة طاقته الاستيعابية بتعزيزه بعدد (94) قطاراً جديداً، تحقق زيادة بالقدرة الاستيعابية تصل 142 %، 116 %، 57 % على المسار الأحمر والأصفر والأزرق على التوالي.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن نجاح مترو الرياض لم يحدث في حلقة مفرغة، بل كانت بذرته كامنة في نجاح تجربة النقل المدرسي والإقبال على استخدامه في جميع مناطق المملكة ومحافظاتها والتي كان من أبرز أهدافه في المدن تأصيل مفهوم النقل العام لدى الناشئة وتعويد الأجيال على استخدامه، وأيضاً الإسهام في الحد من الازدحام المروري وتقليل استهلاك الوقود. كانت هذه التجربة بالنسبة لي «مختبراً عملياً مبكراً» لفكرة النقل العام. فعندما تجمع رحلات كانت تتم بصورة فردية وتضعها داخل منظومة متكاملة، فأنت لا تنقل الطلاب فقط، وإنما تختبر قدرة المجتمع والمؤسسات على الوثوق بالنقل العام. وقد أشار سمو وزير التعليم آنذاك الأمير فيصل بن عبدالله في مقاله بجريدة الجزيرة بعنوان «السكك الحديدية» بتاريخ 26 يوليو 2026، إلى أن تجربة النقل المدرسي حضرت فعلياً في نقاش مبكر حول ازدحامات الرياض المرورية، قبل أن ينتقل الحديث إلى «مشروع المترو» ويعاد ملفه إلى دائرة القرار والتنفيذ. اليوم نقل قطار وحافلات الرياض (20) مليون طالب وطالبة إلى جامعات ومدارس الرياض.

غير أن قصة النجاح الحقيقي لمترو الرياض لن يكتمل داخل عربات القطار، وإنما عندما تُعزز الشبكة بمزيد من الخطوط والتغطية الشاملة للوجهات وتتغير التركيبة العمرانية للمدينة من حوله. أي عندما تصبح المحطات مراكز للحياة، وتزداد الكثافات والاستخدامات المختلطة حولها، ويتحسن المشي إليها، وتصبح الشوارع أكثر إنسانية، ويبدأ المواطن والمقيم يتساءل إن كان بحاجة للسيارة في مشاويره؟ بدلاً من اعتبارها الخيار الوحيد. وهذا هو جوهر التطوير العمراني الموجه للنقل العام TOD الذي يمكن أن يعيد تشكيل التركيبة العمرانية للرياض على المدى الطويل.

وهذا يعيدني إلى فكرتي في رسالة الدكتوراه قبل عقدين من الزمان كان السؤال البحثي حينها: هل ينجح النقل العام في الرياض؟ وها هي الأرقام تقدم اليوم إجابة أولية قوية ومشجعة، وتحيلنا لسؤال حلم آخر أجمل وأعمق: كيف نحول نجاح المترو والحافلات من نجاح مشروع إلى نجاح الشكل والتركيبة العمرانية للمدينة؟ هنا تبدأ المرحلة الأهم من الحلم الجديد.

قبل نحو عقدين، عندما كانت السيارة الخاصة تكاد تكون الخيار الطبيعي للتنقل في الرياض، كان الحديث عن نظام نقل عام ناجح في مدينة مترامية الأطراف، منخفضة الكثافة نسبياً، ومرتبطة ثقافياً وعملياً بالسيارة، يبدو للبعض أقرب إلى الحلم. ولهذا كان السؤال الذي حملته رسالتي للدكتوراه بين عامي 2003 - 2007 بسيطاً في صياغته، عميقاً في معناه: هل يمكن أن ينجح النقل العام في الرياض؟

قادتني دراسة تجارب أوتاوا وفانكوفر وبيرث آنذاك إلى نتيجة واضحة، مفادها بأن ذلك ممكنًا. فالنجاح لا تصنعه تكنولوجيا القطارات الحديثة وحدها، ولا تشترطه مسبقاً مدينة مكتظة وذات كثافة سكانية، وإنما تصنعه منظومة متكاملة لتخطيط المدينة والنقل: تكون أولوية فيها للنقل العام، وتربط القطار بالحافلة والمشاة بالمحطة، وتخدم وجهات متعددة، وتدار ضمن رؤية موحدة كما هو الحال بمدينة الرياض بقيادة الهيئة الملكية لتحقيق «التنمية الشاملة» عبر التخطيط العمراني وتكامله مع تخطيط النقل. وكانت خاتمة الرسالة أن نجاح النقل العام في الرياض ممكن رغم خصوصية شكلها وتركيبتها العمرانية.

اليوم، وكما وضحت بمقالي السابق في ديسمبر 2024 بعنوان «قطار الرياض إلهام من مدرسة سلمان» لم يعد ذلك السؤال نظرياً. فالأرقام التي عرضها معالي رئيس الهيئة الملكية لمدينة الرياض م. إبراهيم السلطان في المؤتمر الصحفي الحكومي حول مشروعات الرياض، والقادمة من أرض الواقع تقول شيئاً يستحق التوقف عنده. فقد اقترب الاستخدام التراكمي لشبكة النقل العام في الرياض إلى عتبة الـ 500 مليون راكب منذ افتتاحه، موزعة بنسبة ثلثي الرحلات تقريبًا عبر المترو وثلثها الآخر عبر الحافلات. جدير بالذكر أن استخدام المترو يواصل نموه السريع على أساس سنوي، وأن خطوطه الستة تساهم في تزايد نمو الطلب عليه.