النقد الثقافي ورواية الحديث

ذكر ميشيل فوكو مثالاً عجيباً؛ أقرب للتسطيح منه للتحقيق، قائلاً: «لنذكّر هنا، بشكل رمزي فقط، بالمبدأ الإغريقيّ: إن الرياضيات يمكن أن تكون من مهام المُدن الديموقراطية؛ لأنها تعلّم علاقات المساواة، ولكن الهندسة يجب أن تعلّم فقط في الأوليغارشيات؛ لأنها تبرهن على النسب ضمن عدم التساوي»!، أي أنّ طرق التفكير الإنساني، حتى في العلوم البحتة؛ هي نتاج التشكّل السلطوي لمجتمع ما، فليس للرياضيات إلا المجتمع الديموقراطي لقيامها على مبدأ المساواة، وأما الهندسة فالأوليغارشيات لقيامها على مبدأ النِسب»! مع الالتزام بشرطه الرمزي دون النقد التصحيحي لواقع تلك المجتمعات، ومعنى الديموقراطية في ذلك الوقت! هذا من جهة تشكيل الذوات، من أبسط العلاقات، ومعيارها (التساوي واللاتساوي). وقد تقدّم في المقال السابق إشكالية هذه الآلية في إسقاطها على نصّ الحديث النبويّ، وعند النظر إلى «الحديث النبويّ»؛ فلا نجد أنّ تشكّل الذوات في أصله يمكن أن يستقيم مع جانب الرواية، إلا من حيث التأسيس الخُلقي القائم في أصله على علاقات المساواة، والتمايز بالفضائل المعنويّة والدينية والذهنيّة، لكل البشر، دون تحكّم سلطوي سابق، بل قد يجابه المحدّثون سلطات عدّة، ويحفظون ما ينقلونه فوق ما يواجهونه، عبر تقلبات زمنية؛ قد تجعلهم حيناً من الهامش، وحيناً من المركز، عند إسقاط الآلية جزافاً! وتدخل توجهات الذوات عندما ننتقل لمجال «الدراية». أمّا من ناحية شق الممارسة الخطابيّة، في حال تجاوزنا وقلنا إن الذوات تشكلت على مبدأ اللاتكافؤ؛ فإن الرواية في مرحلة «النصّ» لم تنتقل إلى مرحلة «الخطاب»؛ إلا إن اجتازت نحو كيفية تعاطي مختلف المذاهب الإسلاميّة معها؛ كالخطاب الفقهي، الكلامي، السلوكيّ... وغير ذلك. إذ النصّ المروي إن خرج إلى دائرة «الدراية»؛ ربما شكّل له تراتبية عظمى في خطاب ما، حسب رؤية المؤولين له، وربما بقي في المدونات والمرويات، وربما كان في مكانة وسلم تراتبية مع غيره من النصوص، مع عدم اجتلاب كثير مما أحاط بالنصّ من سياقات اجتماعيّة، وظروف نقل أيضاً صاحبت من أوَّله. فالحديث الواحد قد يكون مفرزاً لعدّة تيارات حسب التأويلات، وتشعب الاتجاهات، والمدارس المتعددة، التي تضاربت تأويلاتها حد الاقتتال بينها. والنصّ هو هو، مع زيادة عمق نقد وتصحيح وطلب صحة كثير مما فيه، بل قد رُدَّت أحاديث كثيرة يشتبه في صحتها؛ لأنها لم تحقق شروط القبول العلمي في مجال الحديث، لا الثقافة! فلم تؤثر فيه طريقة نقل الراوي له، في حين المؤثّر والمتغير هو طريقة تأويل المتلقي له، بين اتجاه كذا ضد اتجاه كذا، إضافة إلى أنّ السلط عبر تاريخ طويل من سلسلة رواة؛ كانت متعددة مختلفة. أمّا «جماعة الرواة» فجماعة تتجاوز جماعتي «الخطاب الصريحة» و»الخطاب الضمنية»؛ لأنها لا تمارس التعليق إلا إذا انتقلت إلى «الدراية»؛ والذي يعني دخول التأويلات، ودخول دائرة «الفقهاء» أو تخصصات أخرى، لا لإعادة تجديد الخطاب بأشكال عدّة؛ لأنها ناقلة للنصّ لا مشكّلة للخطاب. إن السؤال الذي يُطرح: هل يمكن تطبيق «النقد الثقافي» على «علم مصطلح الحديث والرجال»؟ أم أنّ النقد الثقافي نافع نفعاً خارجيّاً، في أزمنة مضت، قد لا يكون لدراستها كبير جدوى؛ إذ يُبحث عن سياقات اجتماعيّة محددة، تُتلمس في بحث أهل تلك العصور حينها، عندما نظروا لتوجهات الرواة السياسية في ذلك الوقت، بين تشيع وخروج، وتقييد الضوابط بين درجات من تقبل رواياتهم من أهل التوجهات ومن لا تقبل؛ حسب درجة التوغّل. فهل يمكن أن نقول الحديث النبويّ خطاب لا نصّ؟ فكيف إذاً أنتج خطابات متضاربة على مرّ القرون، ولم يوحدها كلّها؟ وكيف يمكن أن يكون ذا سلطة؟ وله تعليقات مؤازرة لا خارمة؟ وله مؤلِّف فيه يجدده كل حين؟ فكيف يمكن تفسير تعدد الخطابات المختلفة مع ضابط منع الزيادة في النصّ مهما كانت، وثبات صورته كما كانت؟ إن كان النقد الثقافي موضة، فإن هذه الموضة قد تخلع على لابسيها خِلعاً لا تليق، ولا يدركونها إلا بعد ذهاب السكرة، وضياع أوقات كانت أجدر بإشكاليات أخرى أنفع.