النقد الثقافي والحديث النبويّ

أشار الناقد العراقي محسن جاسم الموسويّ إلى ضرورة استثمار ما استجدّ من طرائق النقد الثقافيّ لإعادة قراءة التراث الإسلاميّ قراءة ثقافية. وتفترض هذه القراءة اعتراف ميشيل فوكو: أنه لا يوجد مجتمع دون سرديّات كبرى. وهي الخطابات التي تُحاط بإجراءات رقابة خارجية (كالاستبعاد، والقسمة والرفض، وإرادة الحقيقة)، وأخرى داخلية (كمبدأ التعليق، والمؤلف في الخطاب، ومبدأ تنظيم الفروع المعرفية). ومن بين هذه الإجراءات التي استدعاها الموسوي، يتجلى الإجراء الداخلي المتمثل في مفهوم «المؤلف في الخطاب»؛ إذ تُنتج السرديات الكبرى في سياقه حالتين: حالة غُفل من المؤلّف، وحالة أخرى تُعزز حضوره وتبحث عنه. ولا شك أن أدوات ميشيل فوكو في تحليل الخطاب قد لعبت دوراً مؤثراً في صياغة توجّهات «النقد الثقافي»، الذي يستعين بها لدراسة الظواهر الثقافية، عبر رصد مضمرات الخطاب وتشكلاته، وفق ثنائية «المعرفة والسلطة»، حيث تغدو «إرادة الحقيقة» مجرد اسمٍ حقيقته الجهل. ولما كانت هذه الأدوات قد هيمنت على الأطروحات النقديّة المعاصرة في معظم الدراسات الثقافية بمختلف فروعها، فإن الأمر يستدعي وقفة فاحصة وحذرة لكيفية إسقاطها على التراث. لقد أشار الموسوي إلى «علم الحديث النبويّ» من جهة «الرواية»، بوصفه من التراث الإسلامي الذي يمكن تطبيق هذه الأدوات المعرفية عليه. وهي دعوى تقتضي منا مراجعة مدى تحقق شرط «المناسبة المنهجية» (أي مدى ملاءمة الأدوات الغربية للموضوع التراثي المدروس)، ودلالة «المؤلّف» و»النصّ». فالمؤلِّف المقصود عند فوكو هو «المؤلف في الخطاب» لا «مؤلِّف الخطاب» الصانع له، ولا الفرد المتحدث بذاته؛ إذ يقول فوكو موضحاً: «لا من حيث هو الفرد المتحدث الذي نطق أو كتب نصًّا، بل المؤلِّف من حيث هو مبدأ تجميع للخطاب، أي: وحدة وأصل لدلالات الخطاب، وبؤرة تناسقها». ووظيفته الأساسية هي الحدّ من اعتباطية الخطاب، بواسطة لعبة هويّة، يُشكلها الفرد والأنا؛ فهو فرد يظهر في شكل (أنا)، لكن حقيقته تكمن في كونه «وظيفة داخل الخطاب»؛ تحميه وتراقبه ممّا قد يمسّه أو يخرمه. وهذه الإجراءات كاشفة بطبيعتها عن «المعنى الثقافي» الكامن خلف الممارسات الخطابية وغير الخطابية، وعن صلتها البنيوية بالسلطة. وقد ألمح الموسوي إلى إمكانية إسقاط دلالة «المؤلف في الخطاب» على «الراوي» أو «الناقل» في الحديث النبويّ! بقرينة استدعائه لمفهوم «العنعنة» (عن فلان عن فلان...)؛ إذ غدا الإسناد عنده مجرد سلسلة من «الاعتراف بالنسب المعرفي» التي تمنح الحديث قوّته وحجيّته. وتكمن الضبابية المنهجية هنا في عدم التمييز الحاسم بين «النصّ» و»الخطاب»، وبالتبع دور الراوي في النصّ مقابل دور المؤلّف في الخطاب! فالحديث النبويّ نصّ، عند النظر لجانب الرواية، وأمّا إن انتقل إلى جانب الدراية فيمكن أن يصفه بالخطاب، لكن في الواقع لن يجد علم الحديث وفق الدراية على خطاب واحد، بل تناولته المذاهب المختلفة من فقهية وعقدية وسلوكيّة... فكلها أخذت من النصّ، وشكّلت الخطابات! فضلاً عن ذلك، فإن أصل ردّ الخطاب إلى السلطة عند فوكو يكمن في طبيعة «العلاقات» المشكِّلة للذوات؛ حيث تتجلى السلطة في أدق أشكالها بين متحدث ومستمع: فإن كان الحديث تبادلياً مشاعاً فلا سلطة فيه، أما إن كان المتحدث في مرتبة فوقيّة إزاء المستمع، غاب التبادل وحلّت السلطة؛ وحينها يتطور لإنتاج الخطاب المُنتج لزوماً أخلاقاً تُشكِّل الذوات حسب سلطة المتحدث المعرفية أو الرمزية. فالخطاب في أصل تشكيله مرتبط بمعاندة حرية الإنسان في تشكيل أخلاقه بذاته، أمّا النظام الخطابي الذي صُنع فيشكّله خارجياً بالرقابة ونحوها، لا داخلياً. وعليه، فالتمييز بين علاقتين في إطار ثنائية (الخُلق الحرّ وأخلاق السلطة) هو وسيلة فوكو لتبيين ماهية الخطاب وتقنيات الذات، وفرز «الذات الفاعلة»، ومساحات التحرر من الهيمنة. فالخطاب عنده تفاعلات حول نصٌّ أُلقي وأُنتجت التأويلات، وليس النص في ذاته؛ وبذلك يخرج الخطاب عن كونه مجرد دلالة تعكس الاسم ومسماه، ليصبح انعكاساً للسلطة التي تشكّله وتوجّهه. ولا يحجب رؤية هذا الانعكاس إلا الرغبة والسُلطة ذاتها، القائمة على علاقات غير متكافئة لا مساواة فيها ولا تبادل. وأيضاً؛ من المعلوم أن النقد الثقافي يعنى عادة بـ»خطاب الهامش» والمهمشين والمنفيين ومَن تُمارَس عليهم السلطة الظاهرة، وتمثل النساء أحد أبرز نماذج هذا الهامش في التاريخ الإنساني. لكننا عند ربط هذا المفهوم بمجال الحديث النبوي من جهة الرواية، نجد أن التمييز الجندري (النوعي) لم يكن له أثرٌ يُذكر في قبول رواية المرأة أو ردّها؛ بل كانت الظروف المحيطة (الاجتماعية وغيرها) هي المسؤولة عن تقليل ظهورهن المعرفي أو كثافته. ومن ثمّ، فإن تطبيق أدوات فوكو الثنائية (الهامش والمركز، السلطة والمعرفة) يبدو واهياً وضعيفاً عند دراسة هذه الحالة؛ فالمجال المعرفي لرواية الحديث يستعصي على إسقاط نموذج «السلطة الذكورية» بمعياره الغربي، وهو ما خلصت إليه الباحثة أسماء السيّد في بحثها المنشور في مطبوعات جامعة كامبريدج 2013م. وللحديث بقيّة إن شاء الله.