تدرس حكومات أوروبية فرض ضريبة استثنائية على الأرباح التي تحققها شركات الطاقة، في محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية والسياسية للارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، بعدما وصلت أسعار الوقود في عدد من دول الاتحاد الأوروبي إلى مستويات قياسية.وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه حكومات أوروبية ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تنامي نفوذ أحزاب اليمين المتطرف، فيما تستعد ثماني دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا، لانتخابات خلال العام القادم.وفي اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي بالعاصمة الأيرلندية دبلن، (الجمعة)، دعا وزير المالية الألماني لارس كلينغبيل المفوضية الأوروبية إلى طرح مقترحات بشأن آليات يمكن من خلالها فرض ضرائب على ما وصفه بـ«الأرباح المفرطة» لشركات النفط.وقال كلينغبيل إن عددًا من الدول الأعضاء يطالب منذ فترة طويلة بوضع نماذج ضريبية للتعامل مع هذه الأرباح، داعيًا المفوضية إلى تقديم مقترحات بحلول الاجتماع القادم لوزراء مالية الاتحاد في أكتوبر.وأضاف أن المواطنين يمكنهم رؤية أن شركات النفط «تستغل الوضع، وتفرض أسعارًا مرتفعة، وتزيد أرباحها بشكل كبير». النفط يتجاوز 100 دولار للبرميل وتزامنت الدعوات الأوروبية مع ارتفاع أسعار النفط العالمية مجددًا فوق مستوى 100 دولار للبرميل، لتصبح أعلى بنحو 50% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب مع إيران، وسط تصاعد الهجمات في منطقة الشرق الأوسط ومخاوف من تعرض طرق إمدادات الطاقة لمزيد من الاضطرابات.وتشير أسواق المشتقات إلى أن المتعاملين لا يتوقعون تراجعًا سريعًا في أسعار النفط خلال الفترة القريبة.وانعكست القفزة في أسعار الطاقة مباشرة على محطات الوقود الأوروبية، حيث سجلت أسعار البنزين والديزل مستويات قياسية في عدة دول.وفي ألمانيا، ارتفع متوسط سعر الديزل إلى 2.45 يورو للتر، (الأربعاء)، بينما بلغ سعر البنزين نحو 2.31 يورو، وفق بيانات أكبر اتحاد للسيارات في أوروبا.وفي هولندا، تجاوز سعر البنزين الرقم القياسي السابق ليصل إلى 2.73 يورو للتر، فيما بلغ متوسط سعر الديزل 2.78 يورو.كما سجلت أسعار البنزين مستويات أعلى في الدنمارك، بينما ارتفعت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية في فنلندا.وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، ارتفعت أسعار البنزين بنحو 24% مقارنة بالعام السابق، بينما زادت أسعار الديزل بنسبة 38%، وقفزت تكلفة وقود الطائرات بأكثر من 100%.كما بلغ سعر الغاز القياسي نحو 81 يورو لكل ميجاوات/ساعة، بزيادة تقارب 150% عن مستواه قبل عام، فيما يرى محللون أن السعر قد يصل إلى 100 يورو. المفوضية الأوروبية تتحفظ ورغم الضغوط المتزايدة، لم تتبنَّ المفوضية الأوروبية حتى الآن خطة لفرض ضريبة موحدة على شركات الطاقة في جميع دول الاتحاد.وقال مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيس إن المفوضية لا تعتزم في الوقت الحالي إطلاق آلية ضريبية على مستوى الاتحاد، لكنه أكد استعدادها للدخول في نقاش حول المقترح، مشيرًا إلى أن الدول الأعضاء تملك حق فرض ضرائبها الخاصة.وكانت ألمانيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا والنمسا من بين الدول التي دعت إلى تحرك أوروبي بشأن الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة. إيطاليا وفرنسا تحت ضغط الأسعار وأصبحت أسعار الوقود المرتفعة قضية سياسية داخلية رئيسية في فرنسا وإيطاليا، مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة في البلدين العام القادم، وسط مخاوف من تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة على الأسر والشركات.وفي إيطاليا، أعلنت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلغاء ضريبة الطرق لنحو 14.5 مليون سيارة ودراجة نارية اعتبارًا من العام القادم، بتكلفة تتجاوز ملياري يورو، إلى جانب خفض سابق لضريبة الديزل بلغت تكلفته نحو 2.8 مليار يورو.وقالت ميلوني إن الحكومة اختارت توجيه جزء من الموارد المستخدمة لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود إلى إجراء يستهدف الأشخاص الذين يعتمدون يوميًا على السيارات والدراجات النارية في الذهاب إلى العمل والتنقل ونقل أطفالهم.وفي فرنسا، طالب الرئيس إيمانويل ماكرون الحكومة بـ«التعبئة الكاملة» للتعامل مع إمدادات الوقود وأسعاره، بما في ذلك العمل على تأمين إمدادات دولية والسعي إلى إعادة فتح مضيق هرمز بصورة سلمية.وشهدت فرنسا أيضًا احتجاجات على ارتفاع أسعار الديزل، إذ أغلق صيادون فرنسيون (الخميس) مداخل ميناءين ومستودع وقود في جنوب البلاد.وبلغ سعر الديزل نحو 2.37 يورو للتر، مقتربًا من الرقم القياسي البالغ 2.38 يورو.وبعد مفاوضات استمرت 6 ساعات، وافق الصيادون على إنهاء عمليات الإغلاق مقابل وعود بتقديم قروض دون فوائد لمن يواجهون مشكلات في السيولة، وربط بعض إجراءات الدعم بتغيرات أسعار الوقود.كما مددت الحكومة الفرنسية دعم الوقود الطارئ حتى نهاية العام لقطاعات الزراعة والصيد والبناء. ألمانيا تتحرك لخفض الأسعار وفي ألمانيا، أعلنت الحكومة خفض الضرائب على البنزين والديزل بنحو 0.17 يورو للتر اعتبارًا من الأول من أكتوبر وحتى نهاية العام، ضمن حزمة تخفيف تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 2.5 مليار يورو.كما تعتزم الحكومة إجراء محادثات مع شركات النفط بهدف التوصل إلى آلية للحد من أسعار الوقود، على أن يبدأ تطبيق سقف للأسعار، في حال الاتفاق عليه، بحلول الأول من يناير 2027 على أقصى تقدير.وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إن الأشخاص الذين يعتمدون على سياراتهم يوميًا «يصلون إلى نقطة الانهيار»، مؤكدًا أن الحكومة تريد مساعدة المواطنين والشركات في مواجهة أزمة الأسعار.وتأتي الإجراءات الألمانية في ظل ضغوط سياسية متزايدة على حكومة ميرتس، خصوصًا مع تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف في بعض الانتخابات المحلية، وحملته الداعية إلى العودة إلى واردات الغاز الروسي الرخيص التي تخلت عنها أوروبا بدرجة كبيرة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. إسبانيا تخفض الضرائب أيضًا وفي إسبانيا، ضاعفت الحكومة في أغسطس خصم ضريبة الديزل إلى 0.20 يورو للتر اعتبارًا من الأول من سبتمبر، بعد ارتفاع أسعار الديزل بنسبة 15.7% خلال يوليو.وتكشف هذه الإجراءات عن اختلاف استراتيجيات الحكومات الأوروبية في التعامل مع أزمة الطاقة، بين خفض الضرائب ودعم المستهلكين، وفرض قيود محتملة على الأسعار، إلى جانب المقترح الألماني بفرض ضريبة استثنائية على الأرباح المرتفعة لشركات الطاقة.وفي الوقت نفسه، لا تزال فكرة فرض ضريبة موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي قيد النقاش، دون قرار نهائي حتى الآن بشأن اعتمادها.