(انتقل الشاعر الكبير محمد العلي إلى رحمة الله، فقدنا هرماً شامخاً عمر ثقافتنا لعقود منذ السبعينيات، شاعراً وناقداً وأباً معنوياً لأجيال من الشعر والوعي والوطنية، بيني وبينه محبة كما بيننا من خصومة، كان وفياً صافياً في محبته، وخصماً شريفاً في مخالفاته، لم تفسد ودنا تخاصماتنا، ولم تمنعنا المحبة من نقد بعضنا البعض.تقاسمت معه مر الثقافة ونقاء التلاقي. وكلما تلاقينا نسينا ما سبق وعمرنا لحظتنا بالمتعة وصدق المعنى، وسمح كل منا لأخيه أن يحبه بقسط، ويخاصمه بقسط، لكنه كان لي يمثل أجمل لحظات التلاقي وجهاً لوجه،وفي المقابل لم يتخلَ أي منا عن رؤيته، سوى التوافق على المحبة.وجعلنا المحبة في منأى عن الاختلاف الفكري..رحمك الرحمن أيها الغالي الشامخ في حضرتك وفي غيبتك).تلك كانت تغريدتي لحظة سماعي بخبر وفاة محمد العلي، رحمه الله، وهي خلاصة ذهنية تختصر علاقاتنا على مدى أكبر من المدى الذي وعيناه، ذاك أننا اجتمعنا في صفحة ثقافية واحدة في جريدة الجزيرة عام ١٩٦٤، حيث كنت فتياً في الثاني ثانوي ولم أكن أعرف ذلك الاسم الذي جاور نصي، لكن علق الاسم في ذهني؛ لأن ابن عمّي اسمه محمد العلي مع إضافة الغذامي، وطربت لذلك الاسم الذي طل علي وكأنه أحد أفراد العائلة ولم أكن أعرف عمره حينذاك، ثم اكتشفت أن أربع عشرة سنة تفرق بيننا، وبعد عقدين من الزمان تبيّن أن الفارق لم يكن في العمر فحسب، بل إن فارق الرؤى أكبر من فارق السنوات العمرية، فهو ينتمي للنظرية الواقعية وأنا أصبحت أطرح النظرية الألسنية، وبين النظريتين صراعات عالمية شهدتها فرنسا بأشد وأوضح صورها وانتقل ما حدث في فرنسا إلى العالم العربي، وقد وقعت بيني وبين محمود أمين العالم، رحمه الله، مناوشاتٌ حادةٌ، حيث وقف ضد كتابي (الخطيئة والتكفير) بقسوةٍ رددت عليه بمثلها، وأظنني كنت أقسو مع الأستاذ العالم، وفي خفي شعوري كنت أقول للعلي إياك أعني، ولا أزعم ذلك عن وعي إنما قد يكون شعوراً مضمراً أقرأوه الآن كما قد أقرأ نصاً لغيري.أما العلي فإن تغريدتي المقتبسة هنا تصف خلاصة أمري معه، رحمه الله، وقد توافقنا على شروط اللعبة، وأشير أيضاً إلى أني ومحمود العالم قد وصلنا لحالة توافقٍ نتج عنها صحبة كريمة منا معاً، وظل الخلاف والاختلاف قائمين بحقهما الكامل مع العلي والعالم معاً.لكن أبرز صيغ تعابير محمد العلي تتجلى بلغة الصمت، ففي لقاءاتنا كان يحرص على حفظ آداب اللقاء، وإذا سمعني انطلق في حديث لا يعجبه لجأ لصمتٍ رهيب يعم وجهه كله وكافة لغته الجسدية، لكنه صمت ينطق بأبلغ الكلمات الاعتراضية والاحتجاجية، وكنت ألحظ الحاضرين معنا يستمعون إليّ وفي الوقت ذاته يسارقون النظر إليه ليتعرفوا على رأيه فيما أقول، وكنت أعرف أنه يخالفني الرأي، لكن أدبه يغلب عليه ويكتفي بأن يستمتع بنظرات الجالسين من حوارييه وكأن نظراتهم تكفيه لكي يطمئن أنهم ما يزالون معه ولم ينشقوا عليه، ومقابل هذا الرقي منه وإيثاره لسلامة الجلسة من التناطح والمصارعة فإني كنت أبادله الحسنة بمثلها إن لم يكن بأحسن منها، وكان يعرف ذلك مني ويقدره، وأعرف من جهتي أن حوارييه لن يتركوا العودة إليه لاحقا للتأكد من ردة فعله، وأرانا قد توافقنا بصمتٍ على هذا العهد. فهو وفي ومخلص لرهاناته النظرية الخاصة والمتأصلة فيه، وأنا صاحب منهجية هي عهدي مع نفسي وضميري، وحدث وأن تلاقى الخصوم لكنهم خصوم اختاروا النبل والخلق الكريم، وهذا ما جعل علاقتنا تجمع بين النار والملح فتضع حدا بمنع الملح من الانفجار، كما تضع بعض الوقود لبقاء شعلة النار، ويبدو أننا معا طربنا لهذه اللعبة وحمدناها لأنفسنا، هذا هو محمد العلي الذي فقدت فيه اليوم صديقاً نارياً وأخاً مائياً فيه هدير الماء وري الماء، وفي الماء ماء كثير لكنه عذبٌ؛ لأننا معا تشاركنا في تحليته مهما اعترته ملوحة تعكره حينا ليتقدم أحدنا ويخلص المياه من أملاحها، وكان ذاك وكان ذاك.