نجح حلف شمال الطلسي (الناتو) في القمة التي عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/ تموز في تجاوز خلافاته، وأعاد تصويب بوصلته، بعدما كادت الخلافات عبر الأطلسي تهدد وجوده.شكل موقف الإدارة الأمريكية من الحلف تحولاً سلبياً في مساره الذي بدأ العام 1949، بعد التهديدات التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب، ووصف الحلف ب«نمر من ورق»، وأن دول الحلف لا تدفع ما عليها من التزامات مالية لقاء حمايتها، و«نحن ندفع 100 في المئة من ميزانية الحلف» وأن «الحلف كان يحصل على كل شيء مجاناً»، وأعرب عن إحباطه لأن دول الحلف لم يجدها إلى جانبه في حربه على إيران.كان الحلف قبل قمة أنقرة يقف على حافة المجهول، لكن الجهود التي بذلها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأمين عام الحلف مارك روته مع الرئيس الأمريكي، من خلال استرضائه بتنفيذ كل مطالبه المالية، أعادت الحياة مجدداً إلى الحلف، لأنه كان يمثل للدول الأوروبية الأداة الوحيدة التي تحميها وتوفر لها المظلة «الدفاعية الجماعية» وتعتمد بشكل أساسي على ما توفره المظلة العسكرية الأمريكية، في غياب استراتيجية دفاعية أوروبية مستقلة.لذلك، كانت أوروبا مضطرة لاسترضاء الرئيس ترامب في رفع مساهمتها في ميزانية الحلف بنسبة 5 في المئة، وشراء أسلحة أمريكية لمصلحة أوكرانيا واستثمار متطلبات الدفاع الأطلسية بأكثر من 140 مليار دولار، الأمر الذي جعل ترامب يؤكد في ختام القمة «على وحدة الصف» بعدما حقق كل ما يريد، وهذا الموقف سهّل من إصدار بيان عن القمة يؤكد على «وحدة الصف» كما يريد ترامب، و«الالتزام الراسخ» بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو الخاصة بالدفاع الجماعي، و«إن أي هجوم على أحد الحلفاء يعد هجوماً على جميع الحلفاء»، كما أكد البيان على «أن وحدة الحلف وتضامنه وقوته ستظل أساس السلام والأمن والازدهار لمليار مواطن في دوله».كما لم يتخل الحلف عن اعتبار أن «روسيا تشكل تهديداً طويل الأمد لأمن واستقرار منطقة أوروبا الأطلسية»، لذلك قررت دول الحلف مواصلة دعمها العسكري لأوكرانيا في «الدفاع عن حريتها وسيادتها ووحدة أراضيها» بما يعنيه ذلك من هدف هزيمة روسيا، ورفض أي تسوية تحقق لموسكو ما تطالب به للتوصل إلى حل سياسي، أي المضي في الحرب حتى النهاية من خلال مواصلة توفير الدعم العسكري والالتزام بتقديم 70 مليار دولار لأوكرانيا خلال العام الحالي بما يشمل المعدات العسكرية والمساعدات والتدريب، واستمرار الدعم بالمستوى نفسه على الأقل خلال العام 2027، وهذا يعني أن الدول الأوروبية تراهن على استمرار الحرب حتى العام المقبل.واللافت أن الرئيس الأمريكي ترامب أعلن بعد اجتماعه إلى الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي على هامش قمة الناتو في أنقرة، أنه سوف «يمنح كييف ترخيصاً لتصنيع صواريخ باتريوت للدفاع الجوي» في خطوة تمثل دفعة قوية لأوكرانيا، وربما مؤشراً في تبدل الموقف الأمريكي تجاه روسيا وجهوده لإنهاء الحرب، إذ طالما رفض ترامب تزويد أوكرانيا بالأسلحة ووجه انتقادات عنيفة للرئيس الأوكراني.نحن أمام حلف أطلسي جديد بعدما نفض عن نفسه الخلافات والانقسامات، واحتمالات الانهيار.. بانتظار ما إذا كان ترامب سوف يبقى على موقفه.