الميزانية السعودية.. اقتصاد يمضي بثقة ويتجاوز التحديات  – خالد قاسم  أبو بكر

حين تتحدث المملكة عن ميزانيتها، فإنها لا تقدم مجرد أرقام للإيرادات والنفقات والعجز، بل تكشف في الوقت نفسه عن أولوياتها للمرحلة المقبلة، وكيف تنظر إلى اقتصادها في ظل عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتقلب فيه الأسواق، وتتغير فيه موازين الاقتصاد والطاقة.

في خطابه السنوي أمام مجلس الشورى اليوم، وضع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان ملامح هذه المرحلة، مؤكدًا استمرار المملكة في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز قدراتها الاقتصادية، ودعم القطاعات الواعدة، ومواصلة تنفيذ المشاريع التنموية، بما يعزز قدرة الاقتصاد السعودي على التعامل مع المتغيرات العالمية.

إن أهمية الميزانية الجديدة، أنها لا تُقرأ من خلال حجم الإنفاق أو العجز وحدهما، وإنما من خلال ما تكشفه أرقامها عن قدرة الدولة على مواصلة الإنفاق التنموي، والمحافظة على الاستدامة المالية، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، مع استمرار تنمية الإيرادات غير النفطية.

وبحسب البيان التمهيدي لوزارة المالية، تقدر النفقات العامة للعام المقبل بنحو 1.392 تريليون ريال، مقابل إيرادات تقدر بنحو 1.202 تريليون ريال، بعجز يقارب 190 مليار ريال، يمثل نحو 3.6 % من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه الأرقام، إذا قُرئت في سياقها الكامل، تعكس سياسة مالية تستهدف استمرار الإنفاق على الأولويات التنموية، مع إدارة محسوبة لمستويات العجز والتمويل.

إن الإنفاق الحكومي في المملكة لم يعد مجرد وسيلة لتسيير أجهزة الدولة وتقديم الخدمات الأساسية، وإنما أصبح أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي، من خلال المشاريع الكبرى، والبنية التحتية، والصناعة، والسياحة، والتقنية، والخدمات اللوجستية، إلى جانب التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية. وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من الإنفاق يتحول إلى أصول ومشروعات وفرص اقتصادية تمتد آثارها إلى سنوات مقبلة، وفي المقابل، تكشف أرقام الإيرادات عن تغير مهم في طبيعة الاقتصاد السعودي. فقد أصبحت الإيرادات غير النفطية عنصرًا أكثر حضورًا في المالية العامة، وهو ما يمنح الميزانية مساحة أكبر للتعامل مع دورات أسعار النفط وتقلباتها، ويجعل النشاط الاقتصادي أكثر ارتباطًا بمصادر متعددة للنمو والدخل.

هذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف عندها، لأن قوة أي اقتصاد نفطي لا تقاس فقط بحجم ما يحققه عندما تكون أسعار النفط مرتفعة، وإنما بقدرته على المحافظة على نشاطه واستثماراته عندما تتغير الظروف. والمملكة تعمل منذ سنوات على بناء هذه القدرة من خلال توسيع دور القطاع الخاص، وتنمية قطاعات جديدة، وزيادة جاذبية البيئة الاستثمارية، وفي الوقت نفسه، لا تعني مواصلة الإنفاق أن المملكة تتعامل مع المال العام بمنطق الإنفاق المفتوح، فالميزانية الجديدة تأتي في إطار سياسة مالية أكثر ارتباطًا بالتخطيط متوسط وطويل المدى، وبإدارة الدين، وتنويع أدوات التمويل، والمحافظة على متانة المركز المالي للدولة.

لقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في استخدام الصكوك والسندات المحلية والدولية لتوفير الاحتياجات التمويلية، مع إدارة آجال الدين وتوزيع مصادر التمويل. وفي سبتمبر الماضي، على سبيل المثال، أتم المركز الوطني لإدارة الدين إصدار صكوك دولية بقيمة 3.25 مليار دولار، بما يعكس استمرار المملكة في تنويع قاعدة المستثمرين وأدوات التمويل.

لكن الميزانية لا تتعلق بالمال وحده، فهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالإنسان. فالاستثمار في التعليم والصحة والتدريب والمهارات والتقنية والذكاء الاصطناعي هو في النهاية استثمار في قدرة الاقتصاد نفسه على إنتاج قيمة جديدة.

إن حديث ولي العهد عن الذكاء الاصطناعي في خطابه اليوم يحمل دلالة مهمة في هذا السياق، فقد أكدت المملكة أن عام 2026 هو «عام الذكاء الاصطناعي»، في إطار توجهها إلى تطوير التطبيقات والحلول التقنية، وزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتدريب الكفاءات السعودية، ومن هنا فإن قراءة ميزانية 2027 لا ينبغي أن تتوقف عند الرقم الكبير للإنفاق أو عند قيمة العجز، لأن الأرقام تصبح أكثر وضوحًا عندما توضع أمام أهدافها. فالعجز في حد ذاته ليس المؤشر الوحيد على سلامة السياسة المالية، كما أن ارتفاع الإنفاق ليس بالضرورة مؤشرًا سلبيًا إذا كان موجّهًا إلى مشاريع وخدمات واستثمارات ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

اللافت أيضًا أن الاقتصاد السعودي يدخل هذه المرحلة من موقع مختلف عما كان عليه قبل سنوات، فقد أشار صندوق النقد الدولي في تقييمه لعام 2026 إلى قوة الاقتصاد السعودي ومرونته، وإلى استمرار قوة الأنشطة غير النفطية، التي يدعمها الطلب المحلي والإصلاحات الاقتصادية.

وهنا تكمن الرسالة الأهم في الميزانية الجديدة: المملكة لا تتعامل مع السنوات المقبلة باعتبارها فترة انتظار، وإنما باعتبارها مرحلة عمل واستثمار واستكمال للمشروعات وبناء للقدرات.

فالميزانية في النهاية ليست جدولًا ماليًا ينتهي بانتهاء السنة، وإنما تعبير عن خيارات اقتصادية وسياسات تمتد آثارها إلى المستقبل. وما يلفت في التجربة السعودية أن الإنفاق العام أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بالمشروعات والقطاعات التي تستهدف رفع القدرة الإنتاجية، وتحسين جودة الحياة، وخلق فرص جديدة أمام القطاع الخاص، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع تقلبات الأسواق.

ولهذا يمكن النظر إلى ميزانية 2027 باعتبارها ميزانية استمرار وثقة وانضباط في آن واحد؛ استمرار في الإنفاق على التنمية، وثقة في قدرة الاقتصاد على توليد مصادر متعددة للنمو، وانضباط في إدارة العجز والدين والموارد.

حين تتحدث المملكة عن ميزانيتها، فإنها لا تقدم مجرد أرقام للإيرادات والنفقات والعجز، بل تكشف في الوقت نفسه عن أولوياتها للمرحلة المقبلة، وكيف تنظر إلى اقتصادها في ظل عالم تتسارع فيه الأزمات، وتتقلب فيه الأسواق، وتتغير فيه موازين الاقتصاد والطاقة.

في خطابه السنوي أمام مجلس الشورى اليوم، وضع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان ملامح هذه المرحلة، مؤكدًا استمرار المملكة في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز قدراتها الاقتصادية، ودعم القطاعات الواعدة، ومواصلة تنفيذ المشاريع التنموية، بما يعزز قدرة الاقتصاد السعودي على التعامل مع المتغيرات العالمية.

إن أهمية الميزانية الجديدة، أنها لا تُقرأ من خلال حجم الإنفاق أو العجز وحدهما، وإنما من خلال ما تكشفه أرقامها عن قدرة الدولة على مواصلة الإنفاق التنموي، والمحافظة على الاستدامة المالية، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، مع استمرار تنمية الإيرادات غير النفطية.

وبحسب البيان التمهيدي لوزارة المالية، تقدر النفقات العامة للعام المقبل بنحو 1.392 تريليون ريال، مقابل إيرادات تقدر بنحو 1.202 تريليون ريال، بعجز يقارب 190 مليار ريال، يمثل نحو 3.6 % من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه الأرقام، إذا قُرئت في سياقها الكامل، تعكس سياسة مالية تستهدف استمرار الإنفاق على الأولويات التنموية، مع إدارة محسوبة لمستويات العجز والتمويل.