المويه.. قصرٌ المؤسس و درب الحجيج

في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. تحتل منطقة مكة المكرمة موقعًا فريدًا في وجدان المملكة والعالم الإسلامي، فهي أرض الحرمين ومهبط الوحي ووجهة الحجاج والمعتمرين من كل فج عميق. وعلى امتداد هذه المنطقة تتوزع شواهد عمرانية وتاريخية رسمت ملامح الحياة عبر القرون: دروب للحجيج، ومحطات للقوافل، وقصور شيّدها الحكام لاستقبال الوفود وإدارة شؤون الناس. وتحتضن المنطقة عددًا من القصور التاريخية، منها قصر شبرا وقصر خزام وبيت نصيف وقصر الكعكي، إضافة إلى قصر الملك عبدالعزيز في حدا وقصره في المويه. وفي محافظة الطائف، التي اشتهرت بجبالها الصامدة ومصايفها العريقة، تجتمع الطبيعة والتاريخ في مشهد واحد. وقد عرفت هذه المحافظة قصورًا ومواقع تراثية كثيرة، سجلت هيئة التراث في مطلع عام 2023 واحدًا وأربعين موقعًا عمرانيًا منها في السجل الوطني للتراث العمراني. ويتقدم هذه المواقع قصر الملك عبدالعزيز بالمويه، الواقع شرق الطائف على طريق الرياض ومكة المكرمة. ومن هذا القصر تبدأ الحكاية: بناء حجري شُيّد عام 1357هـ الموافق 1938م، وصار أحد أبرز محطات المؤسس في رحلاته بين نجد والحجاز، ومقصدًا للوفود والحجاج، ومعلمًا يحفظ تفاصيل مرحلة من تاريخ توحيد البلاد وبنائها. رؤية المؤسس اختار الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- موقع المويه بنظرة بعيدة؛ فهو يتوسط الطريق بين الرياض ومكة المكرمة ويحاذي طريق الحجاج القديم. ولهذا غدت المويه منزلًا يستريح فيه الملك أيامًا في ذهابه إلى الحجاز وعودته منه، يتفقد أحوال الرعية ويلتقي شيوخ القبائل والمواطنين ويستمع إلى احتياجاتهم. وكانت أولى زياراته للقصر عام 1360هـ الموافق 1941م، بعد نحو ثلاث سنوات من تشييده، وعُرف القصر منذ ذلك الحين من أهم محطاته الرئيسة عند قدومه للحج أو العمرة أو الاصطياف أو الصيد، ويلتقي فيه المواطنين خلال زيارته السنوية. وبعد المؤسس واصل ابنه الملك سعود -رحمه الله- الاستراحة في هذه المحطة. وظل القصر محطة تتوقف عندها وفود الدول المجاورة والحجاج القادمون من مختلف أنحاء العالم، فاجتمع في ساحته الحاكم والمحكوم والزائر والعابر. الأسوار الشامخة شُيّد القصر على الطراز المحلي بالحجارة السوداء، وسط أطلال المنازل والبيوت الطينية في المويه القديمة. وتبلغ مساحته نحو 14,850 مترًا مربعًا، ويبعد عن الطائف نحو 180 كيلومترًا باتجاه الشرق. ويحيط به من جميع الجهات سور يبلغ ارتفاعه 4.5 أمتار وسمكه 90 سنتيمترًا. تجمع هذه الأسوار بين الحصانة والهيبة، وفق فلسفة العمارة السعودية القديمة. فقد جاءت تصاميم القصر بأشكال متعددة هدفها التحصين والدفاع، وانتهت إلى أشكال تخضع لضوابط هندسية مميزة. وراعى المصممون في تخطيطه الجوانب الأمنية والسياسية والاجتماعية والثقافية لتلك المرحلة. أبراج تحرس يضم القصر ستة أبراج مراقبة: اثنان منها يعلوان البوابتين الشمالية والجنوبية، وأربعة تنتصب في أركانه الأربعة، وكانت وظيفتها الدفاع عن القصر وحمايته. وإلى جانب الأبراج تحف بالقصر قلعتان من الجهتين الشرقية والشمالية، ما يمنح المكان طابعًا يجمع بين القصر الملكي والحصن الدفاعي. وتتجه الوحدات المعمارية داخل القصر إلى فناء مكشوف في الوسط، في تصميم يوفر الإضاءة والتهوية ويسهّل الإشراف على الحركة داخل القصر. ومن هذا الفناء يتحرك الزائر بين أجنحته، فيرى كيف جمعت عمارة ذلك العهد بين الوظيفة والمنعة والبساطة. السياسة والضيافة تتنوع وحدات القصر بتنوع أدواره. فالقصر الملكي مبنى مستطيل في الجهة الغربية من القلعة، له مدخلان، الرئيس منهما في الجهة الجنوبية، ويضم المجلس الرسمي وصالة الطعام وغرفة النوم ودورة المياه. وإلى الشرق منه قصر الضيافة، وهو مبنى مستطيل تطل غرفه على فناء مكشوف له مدخل رئيس من الجهة الشمالية بعرض 3.4 أمتار. وفي منتصف القلعة، على ضلعها الجنوبي، يقوم قصر الإمارة السكني بغرفه الست: أربع للمبيت، وغرفة للمعيشة والجلوس، وغرفة للمطبخ، إضافة إلى خزان ودورة مياه. وتكتمل المنظومة بمرافق خدمية تكشف عن حياة متكاملة داخل الأسوار: غرفتان لإعداد القهوة، وغرف لسكن الضيوف والحراس والخدم، وبئران عربيتان لسقيا المياه العذبة، ومسجد لأداء الصلوات. وخارج الضلع الجنوبي من القلعة محطة وقود كانت تعبّئ السيارات بالمضخة اليدوية، وبجوارها سكن عمالها، في دلالة على ما بلغته الرحلات من تحول حين دخلت المركبات الحديثة إلى دروب الجزيرة. القصر ومحيطه أحاطت بالقصر في المويه القديمة معالم تروي عن شواهد الأجداد القائمة هناك: قصر الملك عبدالعزيز الأثري، ومطار المويه القديم، والجامع الكبير، وأطلال المدرسة، والحارات القديمة. وهي مواقع تشكل مع القصر لوحة عمرانية متكاملة لقرية صغيرة على طريق الحج احتضنت المؤسس في رحلاته. وقد أكد محافظ المويه قباس بن وصل الله الحارثي، في حديثه لوكالة الأنباء السعودية عام 2017، أن القصر من المعالم الأثرية التي يفخر بها أهالي المويه. وهذا الفخر ظاهر في اهتمام الأهالي بالمكان وحرصهم على نقل حكايته إلى أبنائهم. عناية واهتمام نال القصر عناية الدولة جيلًا بعد جيل. فقد خضع للترميم ضمن برنامج تأهيل المباني التاريخية للدولة في عهد الملك عبدالعزيز، الذي أطلقته الهيئة العامة للسياحة والآثار لترميم عدد من القصور التاريخية في المملكة. وضم البرنامج قصر المصمك بالرياض وقصر المربع وقصر الملك عبدالعزيز بالخرج وقصر شبرا بالطائف وقصر المويه، إلى جانب قصور في الشرقية والقصيم وغيرها. وفي مطلع عام 2023 أعلنت هيئة التراث تسجيل القصر ضمن 41 موقعًا تراثيًا عمرانيًا جديدًا في محافظة الطائف بالسجل الوطني للتراث العمراني، ليدخل بذلك منظومة المواقع المحمية التي تحرص المملكة على صونها وإبرازها للأجيال. ختامًا.. يقف قصر الملك عبدالعزيز بالمويه شاهدًا حجريًا على مرحلة كان فيها الطريق بين الرياض ومكة المكرمة رحلة طويلة تتخللها محطات استراحة ولقاءات ومجالس. من أسواره البازلتية السوداء وأبراجه الستة، إلى مجلسه وقصر ضيافته وبئريه ومسجده، يروي القصر كيف كان القائد يستقبل رعيته في قلب الصحراء، وكيف تحولت محطة عبور إلى معلم تراثي مسجل، يستقبل زائره ببساطة الحجر وهيبة التاريخ. اعداد : رياض عبدالله الحريري