الموهبـة تُهمَـل.. واللاعـب الجـاهـز هـو المطـلوب

من أكبر مشكلات أنديتنا، ولا سيما الأندية الجماهيرية التي تزخر بالمواهب في فئاتها السنية، أنها لا تجعل اكتشاف هذه المواهب وتطويرها وإبرازها هدفًا رئيسًا، بل ينصب اهتمامها على التعاقد مع اللاعب الجاهز من أندية أخرى، ودفع الملايين لاستقطابه، فيربح ناديه ماليًا، بينما تخسر هي على المدى البعيد. والأدهى من ذلك أن بعض الأندية تعرض مواهبها الشابة ضمن صفقات المقايضة، فقط من أجل الظفر باللاعب الذي سلطت عليه الأضواء. لقد حققت منتخباتنا نجاحاتها في الماضي عندما كانت الأندية تعتمد على نفسها في صناعة اللاعبين وصقل مواهبهم. ولم يكن ذلك يعني الاستغناء عن الصفقات، بل كانت التعاقدات تُبرم وفق الحاجة الفنية، وبقدر محسوب، لتكمل النواقص لا لتستبدل المشروع بأكمله. أما اليوم، فقد تغيرت الأولويات، وأصبح التنافس على الصفقات المليونية وسيلة للتصدر الإعلامي وكسب التصفيق الجماهيري، حتى وإن كانت الجدوى الفنية محدودة. ومن الأمثلة التي نعيشها هذه الأيام اهتمام نادي الاتحاد بالتعاقد مع لاعب نادي الاتفاق خالد الغنام مقابل مبلغ كبير، في الوقت الذي يتجه فيه النادي إلى التفريط بموهبة واعدة مثل صهيب هوساوي، الذي قد ينتقل إلى أحد الأندية الكبيرة، ويُعد الهلال من أبرز المهتمين به. وبرأيي، فإن المحافظة على لاعب نشأ في فئاتك السنية، وتعرف إمكاناته وقابليته للتطور، أفضل من التعاقد مع لاعب لم يثبت نجاحه مع أندية كبيرة، مثل النصر سابقًا، ثم الهلال لاحقًا. ولا يعني ذلك التقليل من إمكانات خالد الغنام؛ فهو لاعب موهوب ويملك قدرات هجومية مميزة، لكنه -من وجهة نظري- يناسب الأندية ذات الضغوط التنافسية الأقل، التي لا تُطالب بالمنافسة الدائمة على البطولات، حيث يستطيع إظهار مهاراته الفردية عندما يكون في أفضل حالاته الفنية والذهنية. وأستحضر هنا حديث المدرب سعد الشهري في بودكاست «ثمانية» نهاية الموسم الماضي، عندما أشاد بقدرات خالد الغنام الهجومية، مؤكدًا أنه لاعب قادر على صناعة الفارق في أي لحظة، لكنه في الوقت نفسه أشار بوضوح إلى أن أبرز نقاط ضعفه تتمثل في ضعف مساندته الدفاعية. وهذه الملاحظة ليست تفصيلًا بسيطًا، بل تُعد من أهم متطلبات كرة القدم الحديثة، إذ أصبح جناح الفريق مطالبًا بمساندة الظهير والالتزام بالأدوار الدفاعية، والعمل ضمن منظومة متكاملة، لا الاكتفاء بالإسهام الهجومي فقط. لذلك فإن امتلاك اللاعب ميزة هجومية كبيرة لا يكفي إذا كان وجوده يتسبب في خلل واضح في جانب آخر من المنظومة. ختامًا: إن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الصفقات الباهظة التي قد يبهت بريقها سريعًا، وإنما في المواهب التي تصنعها الأندية بنفسها. فهذه المواهب تمثل مستقبل النادي والمنتخب، وتحتاج فقط إلى الثقة، والصبر، وفرصة حقيقية لإثبات قدراتها، بدلًا من إنفاق الملايين على نجوم قد لا يتجاوز تأثيرهم سنوات قليلة.