الموهبة وحدها لا تصنع المستقبل: الكتاب والملعب شريكان متكاملان

العلاقة بين التفوّق الرياضي والتحصيل العلمي تطرح تساؤلات مستمرّة حول قدرة الطالب على تحقيق التوازن بينهما، فهل تساعد الرياضة على تنمية الذكاء والنضج والانضباط، بما ينعكس إيجاباً على الأداء الدراسي أم أنّ الانخراط في المنافسات الرياضية قد يتحوّل إلى عامل يشتّت التركيز ويضع التعليم في المرتبة الثانية؟

إشكالية لا ينتهي الجدال فيها حول الإيجابيات التي يمكن أن تضيفها الرياضة إلى حياة الطالب، وذلك في وقتٍ يبرز فيه رأي معارض يفضّل أن يبقى الانغماس في الحياة الرياضيّة مجرّد نشاطٍ للتسلية من دون الالتزام إلى أبعد الحدود في عالم الاحتراف.

طبعاً هذا الكلام يرتبط بالحياة الرياضية - الأكاديمية اللبنانية حصراً، إذ في بلدانٍ متقدّمة على الصعيد الرياضي، وحاصدة للنجاحات على المستويين العلمي والرياضي، هناك ترابط تام بين الحياة الرياضيّة وتلك التعليميّة، وذلك انطلاقاً من الثانوية ووصولاً إلى الجامعة، وهو ما يفرز أبطالاً في أنظمةٍ باتت مثالاً يُحتذى به على غرار ما هو الأمر في الولايات المتحدة وأوروبا على سبيل المثال لا الحصر.من ناحيةٍ أخرى لا يمكن الجزم بأنّ الطالب المتفوّق رياضياً هو بالضرورة متفوّق علمياً، أو أنّ النجاح في الدراسة يعني امتلاك القدرات نفسها في الملعب، إذ لكل مجال متطلباته، وإن كانت هناك مهارات مشتركة بينهما، أبرزها الالتزام، وإدارة الوقت، والقدرة على التعلّم، وتحمّل المسؤولية والتعامل مع الضغوط.

لذا قد تساعد الرياضة على اكتساب هذه الصفات التي يمكن أن يستفيد منها الطالب في حياته التعليمية، شرط ألّا تتحوّل التدريبات والمباريات إلى عبء يستنزف وقته وطاقته.في المقابل، لا يعني التفوّق الدراسي بالضرورة امتلاك الموهبة الرياضية، تماماً كما أنّ المهارات التي تجعل لاعباً مميّزاً لا تضمن له النجاح في الامتحانات، إذ إن الذكاء ليس نوعاً واحداً، ما يجعل المقارنة بين الطالب في الصفّ واللاعب في الملعب غير كافية للحكم على مستوى نضجه أو إمكاناته.

بين حلم الاحتراف وضمان المستقبل

تزداد هذه الإشكالية وضوحاً عندما يتعلّق الأمر بكرة القدم، التي تحوّلت إلى حلمٍ مهني لدى كثيرٍ من الأطفال والشبان، في ظلّ ما توفّره من شهرةٍ ومداخيل مالية وفرص للاحتراف خارج البلاد. وقد يدفع هذا الحلم بعض الطلاب إلى توجيه معظم اهتمامهم نحو التدريبات والمباريات، على حساب الدراسة، وخصوصاً عندما يعتقدون أنّ النجاح في الملاعب كفيل بتأمين مستقبلهم.لكنّ الطريق إلى الاحتراف ليس مضموناً، مهما بلغت موهبة اللاعب أو حجم التضحيات التي يقدّمها، لذا تبرز أهمية العلم بوصفه ركيزة أساسية لبناء مستقبلٍ أكثر استقراراً، سواء استمرّ الطالب في الملاعب أو اضطرّ إلى سلوك طريقٍ مهني آخر.

ترابط تام بين الحياة الرياضيّة وتلك التعليميّة في البلدان المليئة بالأبطال

في هذا السياق، يقول رئيس أكاديمية «بيروت فوتبول أكاديمي»، زياد سعادة، الذي يجمع بين خبرة اللاعب السابق والمسؤول الأكاديمي منذ أكثر من عقدين من الزمن: «العلم لا يشكّل منافساً للرياضة، بل يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في تطوير أداء الطالب، إذ إن اللاعب المتعلّم قد يكون أكثر قدرة على فهم التعليمات التكتيكية، والتواصل مع المدرّبين، والتعامل مع الإعلام، وإدارة مسيرته المهنية والمالية. كما أنّ التعليم يمنحه أدوات تساعده على التخطيط لمستقبله بعد الاعتزال، بدلاً من ربط حياته كلّها بمسيرة رياضية قد لا تستمرّ طويلاً، لذا أشدّد دائماً على أن العلم يأتي أوّلاً دون إغفال الالتزام في ملاعب كرة القدم من أجل الوصول إلى الهدف المنشود».

الأهل أمام مسؤولية الاختيار

ويبقى الدور الأهم للأهل الذين يجدون أنفسهم أحياناً أمام سؤال صعب: هل يسمحون لأولادهم بإعطاء الأولوية للدراسة على حساب الرياضة، أم يدعمون طموحهم الرياضي ولو تطلّب ذلك التراجع في التحصيل العلمي؟يجيب سعادة في حديثه الى «الأخبار»: «قد يكون فرض خيار واحد على الطالب خطأً، لكن تركه يضحّي بتعليمه من أجل حلمٍ غير مضمون لا يقلّ خطورةً. لذا من الأفضل أن يساعده الأهل على تنظيم وقته، وتحديد أهدافٍ واقعية، ومتابعة اجتهاده في المجالين، مع وضع حدود واضحة عندما يبدأ أحدهما بالتأثير سلباً على الآخر».

في النهاية، لا تكمن المعادلة في الاختيار بين الكتاب والكرة، بل في بناء طالب قادر على النجاح في المدرسة والملعب في آنٍ معاً. أمّا إذا فرضت الظروف أولوية مؤقّتة لأحد المسارين، فيجب أن يكون القرار مبنياً على المصلحة الطويلة الأمد، لا على وعود الشهرة والمال وحدها لأن الرياضة قد تصنع لاعباً ناجحاً، والعلم قد يفتح أبواباً واسعة. أمّا الجمع بينهما فيمنح الطالب فرصاً أكبر لبناء مستقبلٍ متوازن، سواء كانت حياته داخل الملعب أو امتدّت إلى أبعد من حدوده.